ترتبهما على البيان لما أنهما المقصد الأصلي ، وقيل : أل في الناس للجنس .
والمراد بيان لجميع الناس لكن المنتفع به المتقون لأنهم يهتدون به وينتجعون بوعظه - وليس بالبعيد - وجوز بعضهم أن يراد من المتقين الصائرون إلى التقوى فيبقى الهدى والموعظة بلا زيادة ، وأن يراد بهم ما يعمهم وغيرهم من المتقين بالفعل فيحتاج الهدى وما عطف عليه إلى اعتبار ما يعم الابتداء والزيادة فيه ، ولا يخفى ما في الثاني من زيادة البعد لارتكاب خلاف الظاهر في موضعين ، وأما الأول ففيه بعد من جهة الارتكاب في موضع واحد وهو وإن شارك ما قلناه من هذه الحيثية إلا أن ما ارتكبناه يهدي إليه في الجملة التنوين الذي في الكلمة ولا كذلك ما ارتكبوه بل اعتبار الكمال المشعر به الإطلاق ربما يأباه ولعله لمجموع الأمرين هان أمر نزع الخف .
وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا
أخرج الواحدي عن ابن عباس أنه قال : « انهزم أصحاب رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم يوم أحد فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريدون أن يعلوا عليهم الجبل فقال النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : اللهم لا قوة لنا إلا بك اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر فأنزل اللّه تعالى هذه الآية وثاب نفر من المسلمين فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم »
وعن الزهري وقتادة أنها نزلت تسلية للمسلمين لما نالهم يوم أحد من القتل والجراح .
و
عن الكلبي أنها نزلت بعد يوم أحد حين أمر رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم أصحابه رضي اللّه تعالى عنهم بطلب القوم . وقد أصابهم من الجراح ما أصابهم وقال صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « لا يخرج إلا من شهد معنا بالأمس فاشتد ذلك على المسلمين فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ،
وأيّا ما كان فهي معطوفة على قوله تعالى :
فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ
بحسب اللفظ ومرتبطة به بحسب المعنى إن قلنا إنه عود إلى التفصيل ، وبما تقدم من قصة أحد - إن لم نقل ذلك - وبه قال جمع ، وجعلوا توسيط حديث الربا استطرادا أو إشارة إلى نوع آخر من عداوة الدين ومحاربة المسلمين ، وبه يظهر الربط وقد مر توجيهه بغير ذلك أيضا .
ومن الناس من جعل ارتباط هذه الآية لفظا بمحذوف أي كونوا مجدين ولا تهنوا ، ومضى على الخلاف وهو تكلف مستغنى عنه ، والوهن - الضعف أي لا تضعفوا عن قتال أعدائكم والجهاد في سبيل اللّه تعالى بما نالكم من الجراح
وَلا تَحْزَنُوا
على ما أصبتم به من قتل الأعزة وقد قتل في تلك الغزوة خمسة من المهاجرين حمزة بن عبد المطلب ومصعب عن بن عمير صاحب راية رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم وعبد اللّه بن جحش ابن عمة النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم وعثمان بن شماس وسعد مولى عتبة رضي اللّه تعالى عنهم ، وسبعون من الأنصار ، وقيل :
لا تَحْزَنُوا
على ما فاتكم من الغنيمة ولا يخفى بعده والظاهر أن حقيقة النهي غير مرادة هنا بل المراد التسلية والتشجيع وإن أريدت الحقيقة فلعل ذلك بالنسبة إلى ما يترتب على الوهن والحزن من الآثار الاختيارية أي لا تفعلوا ما يترتب على ذلك
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
جملة حالية من فاعل الفعلين أي والحال أنكم
الْأَعْلَوْنَ
الغالبون دون أعدائكم فإن مصيرهم مصير أسلافهم المكذبين فهو تصريح بعد الإشعار بالغلبة والنصر .
حكى القرطبي أنهم لم يخرجوا بعد ذلك إلا ظفروا في كل عسكر كان في عهده عليه الصلاة والسلام وكذا في كل عسكر كان بعد ، ولو لم يكن فيه إلا واحد من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم . أو المراد والحال أنكم أعلى منهم شأنا فإنكم على الحق وقتالكم لإعلاء كلمة اللّه تعالى وقتلاكم في الجنة وأنهم على الباطل وقتالهم لنصرة كلمة الشيطان وقتلاهم في النار ، واشتراكهم على هذا في العلو بناء على الظاهر وزعمهم ، وإذا أخذ العلو بمعنى الغلبة لا يحتاج إلى هذا لما أن الحرب سجال وأن العاقبة للمتقين ، وقيل : المراد
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
حالا منهم حيث أصبتم