تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
أبي حاتم عن أبي جعفر رضي اللّه تعالى عنه أن الآية في أهل بيت النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنها نزلت في ابن مسعود وعمار بن ياسر وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، والظاهر أن الخطاب وإن كان خاصا بمن شاهد الوحي من المؤمنين أو ببعضهم لكن حكمه يصلح أن يكون عاما للكل كما يشير إليه قول عمر رضي اللّه تعالى عنه فيما حكى قتادة « يا أيها الناس من سره أن يكون من تلكم الأمة فليؤد شرط اللّه تعالى منها » وأشار بذلك إلى قوله سبحانه
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
فإنه وإن كان استئنافا مبينا لكونهم خير أمة أو صفة ثانية لأمة على ما قيل إلا أنه يفهم الشرطية والمتبادر من المعروف الطاعات ومن المنكر المعاصي التي أنكرها الشرع . وأخرج ابن المنذر وغيره عن ابن عباس في الآية أن المعنى تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا اللّه ويقرّوا بما أنزل اللّه تعالى وتقاتلونهم عليهم ولا إله إلا اللّه هو أعظم المعروف وتنهونهم عن المنكر والمنكر هو التكذيب وهو أنكر المنكر وكأنه رضي اللّه تعالى عنه حمل المطلق على الفرد الكامل وإلا فلا قرينة على هذا التخصيص
وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
أريد بالإيمان به سبحانه الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به لأن الإيمان إنما يعتد به ويستأهل أن يقال له إيمان إذا آمن باللّه تعالى على الحقيقة وحقيقة الإيمان باللّه تعالى أن يستوعب جميع ما يجب الإيمان به فلو أخل بشيء منه لم يكن من الإيمان باللّه تعالى في شيء ، والمقام يقتضيه لكونه تعريضا بأهل الكتاب وأنهم لا يؤمنون بجميع ما يجب الإيمان به كما يشعر بذلك التعقيب بنفي الإيمان عنهم مع العلم بأنهم مؤمنون في الجملة وأيضا المقام مقام مدح للمؤمنين بكونهم
خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها المعلل للخيرية فلو لم يرد الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به لم يكن مدحا فلا يصلح للتعليل والعطف يقتضيه وإنما أخر الإيمان عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع تقدمه عليهما وجودا ورتبة كما هو الظاهر لأن الإيمان مشترك بين جميع الأمم دون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهما أظهر في الدلالة على الخيرية ، ويجوز أن يقال قدمهما عليه للاهتمام وكون سوق الكلام لأجلهما ، وأما ذكره فكالتتميم ، ويجوز أيضا أن يكون ذلك للتنبيه على أن جدوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدين أظهر مما اشتمل عليه الإيمان باللّه تعالى لأنه من وظيفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - ولو قيل قدما - وأخر للاهتمام وليرتبط بقوله تعالى :
وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ
لم يبعد أي لو آمنوا إيمانا كما ينبغي لكان ذلك الإيمان
خَيْراً لَهُمْ
مما هم عليه من الرئاسة في الدنيا لدفع القتل والذل عنهم ، والآخرة لدفع العذاب المقيم ، وقيل : لو آمن أهل الكتاب بمحمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم لكان خيرا لهم من الإيمان بموسى وعيسى فقط عليهما السلام ، وقيل : المفضل عليه ما هم فيه من الكفر فالخيرية إنما هي باعتبار زعمهم ، وفيه ضرب تهكم بهم وهذه الجملة معطوفة على
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
مرتبطة بها على معنى ولو آمن أهل الكتاب كما آمنتم وأمروا بالمعروف كما أمرتم ونهوا عن المنكر كما نهيتم
لَكانَ خَيْراً لَهُمْ
مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ
كعبد اللّه بن سلام وأخيه وثعلبة بن شعبة .
وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ
أي الخارجون عن طاعة اللّه تعالى وعبر عن الكفر بالفسق إيذانا بأنهم خرجوا عما أوجبه كتابهم ، وقيل : للإشارة إلى أنهم في - الكفار - بمنزلة الكفار في العصاة لخروجهم إلى الحال الفاحشة التي هي منهم أشنع وأفظع
لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً
استثناء متصل لأن الأذى بمعنى الضرر اليسير كما يشهد به مواقع الاستعمال فكأنه قيل :
لَنْ يَضُرُّوكُمْ
ضررا ما إلا ضررا يسيرا ، وقيل : إنه منقطع لأن الأذى ليس بضرر وفيه نظر والآية كما قال مقاتل : نزلت لما عمد رؤساء اليهود مثل كعب وأبي رافع وأبي ياسر وكنانة وابن صوريا إلى مؤمنيهم كعبد اللّه بن سلام وأصحابه ، وآذوهم لإسلامهم وكان إيذاء قوليا على ما يفهمه كلام قتادة وغيره ، وكان