تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
الضحاك « واختلف » في سبب تسمية أولئك القوم بذلك فقيل : سموا بذلك لبياض ثيابهم - وهو المروي عن سعيد بن جبير - وقيل : لأنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب للناس - وهو المروي عن مقاتل وجماعة - وقيل : لنقاء قلوبهم وطهارة أخلاقهم - وإليه يشير كلام قتادة - وفي تعيين أنهم من أي الطوائف من الناس خلاف أيضا فقيل : قوم كانوا يصطادون السمك فيهم يعقوب ، وشمعون ، ويوحنا فمر بهم عيسى عليه السلام فقال لهم : أنتم تصيدون السمك فإن اتبعتموني صرتم بحيث تصيدون الناس بالحياة الأبدية ؟ فقالوا له : من أنت ؟ قال : عيسى ابن مريم عبد اللّه ورسوله فطلبوا منه المعجزة ، وكان شمعون قد رمى شبكته تلك الليلة فما اصطاد شيئا فأمر عيسى عليه السلام بإلقائها في الماء مرة أخرى ففعل فاصطاد ما ملأ سفينتين فعند ذلك آمنوا به عليه السلام ، و قيل : هم اثنا عشر رجلا ، أو تسعة وعشرون من سائر الناس اتبعوا عيسى عليه السلام وكانوا إذا جاعوا قالوا : يا روح اللّه جعنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج لكل واحد رغيفان ، وإذا عطشوا قالوا : عطشنا فيضرب بيده على الأرض فيخرج الماء فيشربون فقالوا : من أفضل منا إذا شئنا أطعمتنا وإذا شئنا أسقيتنا وقد آمنا بك ؟ فقال : أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه فصاروا يغسلون الثياب بالكراء ويأكلون ، و قيل : إن واحدا من الملوك صنع طعاما وجمع الناس عليه وكان عيسى عليه السلام على قصعة فكانت القصعة لا تنقص فذكر ذلك للملك فذهب إليه الملك مع أقاربه فقالوا له : من أنت ؟ قال : عيسى ابن مريم فقال الملك : إني تارك ملكي ومتبعك فتبعه مع أقاربه فأولئك هم الحواريون ، و قيل : إنه أمه دفعته إلى صباغ فكان إذا أراد أن يعلمه شيئا وجده أعلم به منه فغاب الصباغ يوما لمهم وقال له : هاهنا ثياب مختلفة وقد جعلت على كل منها علامة فاصبغها بتلك الألوان فطبخ عيسى عليه السلام حبا واحدا وجعل الجميع فيه ، وقال : كوني بإذن اللّه كما أريد فرجع الصباغ فأخبره بما فعل فقال : أفسدت علي الثياب قال : قم فانظر فكان يخرج ثوبا أحمر ، وثوبا أخضر ، وثوبا أصفر كما كان يريد فتعجب الحاضرون منه وآمنوا به وكانوا الحواريين ، ونقل جمع عن القفال أنه يجوز أن يكون بعضهم من الملوك . وبعضهم من الصيادين . وبعضهم من القصارين . وبعضهم من الصباغين . وبعضهم من سائر الناس وسموا جميعا بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى عليه السلام والمخلصين في محبته وطاعته . والاشتقاق كيف كانوا هو الاشتقاق ومأخذه إما أن يؤخذ حقيقيا وإما أن يؤخذ مجازيا وهو الأوفق بشأن أولئك الأنصار ، وقيل : إنه مأخوذ من حار بمعنى رجع . ومنه قوله تعالى :
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ
[ الانشقاق : 14 ] وكأنهم سموا بذلك لرجوعهم إلى اللّه تعالى . ومن الناس من فسر الحواري بالمجاهد فإن أريد بالجهاد ما هو المتبادر منه أشكل ذلك حيث إنه لم يصح أن عيسى عليه السلام أمر به ؛ وادعاه بعضهم مستدلا بقوله تعالى :
فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ
[ الصف : 14 ] ولا يخفى أن الآية ليست نصا في المقصود لجواز أن يراد بالتأييد التأييد بالحجة وإعلاء الكلمة ، وإن أريد بالجهاد جهاد النفس بتجريعها مرائر التكاليف لم يشكل ذلك . نعم استشكل أن عيسى عليه السلام إذا لم يكن مأمورا بالقتال فما معنى طلبه الأنصار ؟ وأجيب بأنه عليه السلام لما علم أن اليهود يريدون قتله استنصر للحماية منهم - كما قاله الحسن - ومجاهد - ولم يستنصر للقتال معهم على الايمان بما جاء به ، وهذا هو الذي لم يؤمر به لا ذلك بل ربما يدعي أن ذلك مأمور به لوجوب المحافظة على حفظ النفس ، وقد روي أن اليهود لما طلبوه ليقتلوه قال للحواريين : أيكم يحب أن يكون رفيقي في الجنة على أن يلقي فيه شبهي فيقتل مكاني ؟ فأجابه إلى ذلك بعضهم ، وفي بعض الأناجيل أن اليهود لما أخذوا عيسى عليه السلام سل شمعون سيفه فضرب به عبدا كان فيهم لرجل من الأحبار عظيم فرمى بإذنه فقال له عيسى عليه السلام : حسبك ثم
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 169 | الآلوسي / علي عبدالباري عطية