تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
كما يلزم على التقادير الباقية كذا قالوا ، والذي يظهر أن المسألة من باب التنازع فإن كلا من
قائِمٌ
و
يُصَلِّي
يصح أن يتسلط على
فِي الْمِحْرابِ
على أي وجه تقدم من وجوه الاعراب . ثم اعلم أن الصلاة في المحاريب المشهورة الموجودة الآن في مساجد المسلمين قد كرهها جماعة من الأئمة - وإلى ذلك ذهب علي كرم اللّه وجهه ، وإبراهيم رحمه اللّه فيما أخرجه عنهما ابن أبي شيبة - وهي من البدع التي لم تكن في العصر الأول ، فعن أبي موسى الجهني قال : « قال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم : لا يزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى » وعن عبد اللّه بن أبي الجعد قال : « كان أصحاب محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم يقولون : « إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد » وعن ابن عمر رضي اللّه عنهما أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم قال : « اتقوا هذه المذابح » يعني المحاريب ، والروايات في ذلك كثيرة ، وللإمام السيوطي رسالة مستقلة فيها
أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى
أي بأن اللّه ، وبعد إسقاط حرف الجر المطرد في - أن وإن - يجوز في المنسبك اعتبار النصب واعتبار الجر ، والأول مذهب سيبويه ، والثاني مذهب الخليل ، وقرأ نافع وابن عامر بكسر همزة إن وخرج على إضمار القول ، وهو مذهب البصريين ، أو على إجراء النداء مجرى القول لأنه نوع منه - وهو مذهب الكوفيين - وقرأ حمزة ، والكسائي « يبشرك » من الإبشار ، وقرأ « يبشرك » من الثلاثي . أخرج ابن جرير عن معاذ الكوفي قال : من قرأ يبشر مثقلة فإنه من البشارة ، ومن قرأ يبشر مخففة بنصب الياء فإنه من السرور - ويحيى - اسم أعجمي على الصحيح ، وقيل : عربي منقول من الفعل والمانع له من الصرف على الأول العلمية والعجمة ، وعلى الثاني العلمية ووزن الفعل ، والقول - بأنه لا قاطع لمنع صرفه لاحتمال أن يكون مبنيا يجعل العلم جملة بأن يكون فيه ضمير كما في قوله : نبئت أخوالي بني يزيد - ليس بشيء لما في ذلك الاحتمال من التكلف المستغنى عنه ما يكاد يكون دليلا قطعيا للقطع ، والقائلون بعربيته منهم من وجه تسميته بذلك بأن اللّه تعالى أحيا به عقر أمه ، وروي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ، ومنهم من وجه ذلك بأن اللّه تعالى أحيا قلبه بالإيمان ، وروي عن قتادة ، وقيل : سمي
بِيَحْيى
لأنه علم اللّه سبحانه أن يستشهد والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ، وقيل : لأنه يحيا بالعلم والحكمة اللتين يؤتاهما ، وقيل : لأنه اللّه يحيي به الناس بالهدى ، قال القرطبي : كان اسمه في الكتاب الأول حيا ، ورأيت في إنجيل متى أنه عليه السلام كان يدعى يوحنا المعمداني لما أنه كان يعمد الناس في زمانه على ما يحكيه كتب النصارى ، وجمع - يحيى - يحيون رفعا ، ويحيين جرا ونصبا ، وتثنيته كذلك يحييان ويحيين ، ويقال في النسب إليه : يحي بحذف الألف ، ويحيوي - بقلبها واوا - ويحياوي بزيادة ألف قبل الواو المنقلبة عن الألف الأصلية ، وفي تصغيره - يحيي - بوزن فعيعل قال مولانا شيخ الإسلام : وينبغي أن يكون هذا الكلام إلى آخره محكيا بعبارة من اللّه عزّ وجل على منهاج
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ
[ الزمر : 53 ] الآية كما يلوح به مراجعته عليه السلام في الجواب إليه تعالى بالذات لا بواسطة الملك ، والعدول عن إسناد التبشير بنون العظمة حسبما وقع في - سورة مريم - للجري على سنن الكبرياء - كما في قول الخلفاء : أمير المؤمنين يرسم لك كذا - وللإيذان بأن ما حكي هناك من النداء والتبشير وما يترتب عليه من المحاورة كان كل ذلك بواسطة الملك بطريق الحكاية منه سبحانه لا بالذات - كما هو المتبادر - وبهذا يتضح اتحاد المعنى في السورتين الكريمتين فتأمل انتهى ، وكان الداعي إلى اعتبار ما هنا محكيا بعبارة من اللّه تعالى ظهور عدم صحة كون ما في سورة مريم من عبارة الملك غير محكي من اللّه تعالى ، وأن الظاهر اتحاد الدعاءين وإلا فما هنا مما لا يجب حمله على ما ذكر لولا ذلك ، والملوح غير موجب كما لا يخفى - ولا بد في الموضعين من تقدير مضاف كالولادة إذا التبشير لا يتعلق بالأعيان ، ويؤول في المعنى إلى ما
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 141 | الآلوسي / علي عبدالباري عطية