تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
صيام شهر رمضان ، وما تخلل بينهما من الفصل متعلق ب
كُتِبَ
لفظا أو معنى فليس بأجنبي مطلقا ، وإن اعتبرته بدل اشتمال استغنيت عن التقدير ، إلا أن كون الحكم السابق - وهو فرضية الصوم - مقصودا بالذات ، وعدم كون ذكر المبدل منه مشوقا إلى ذكر البدل يبعد ذلك ، وقرئ شهر بالنصب على أنه مفعول ل « صوموا » محذوفا ؛ وقيل إنه مفعول
وَأَنْ تَصُومُوا
وفيه لزوم الفصل بين أجزاء المصدرية بالخبر ، وجوز أن يكون مفعول
تَعْلَمُونَ
بتقدير مضاف - أي شرف شهر رمضان ونحوه - وقيل : لا حاجة إلى التقدير . والمراد
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
نفس الشهر ولا تشكون فيه ، وفيه إيذان بأن الصوم لا ينبغي مع الشك - وليس بشيء كما لا يخفى - والشهر المدة المعينة التي ابتداؤها رؤية الهلال ، ويجمع في القلة على أشهر ، وفي الكثرة على شهور ، وأصله من شهر الشيء أظهره ، وهو - لكونه ميقاتا للعبادات والمعاملات - صار مشهورا بين الناس ، و « رمضان » مصدر رمض - بكسر العين - إذا احترق ، وفي شمس العلوم من المصادر التي يشترك فيها الأفعال فعلان - بفتح الفاء والعين - وأكثر ما يجيء بمعنى المجيء والذهاب والاضطراب - كالخفقان والعسلان واللمعان - وقد جاء لغير المجيء والذهاب كما في - شنأته شنآنا إذا بغضته - فما في البحر من أن كونه مصدرا يحتاج إلى نقل - فإن فعلانا ليس مصدر فعل اللازم - فإن جاء شيء منه كان شاذا ، فالأولى أن يكون مرتجلا لا منقولا ناشئ عن قلة الاطلاع ، والخليل يقول : إنه من الرمض - مسكن الميم - وهو مطر يأتي قبل الخريف يطهر وجه الأرض عن الغبار ، وقد جعل مجموع المضاف والمضاف إليه علما للشهر المعلوم ، ولولا ذلك لم يحسن إضافة
شَهْرُ
إليه كما لا يحسن - إنسان زيد - وإنما تصح إضافة العام إلى الخاص إذا اشتهر كون الخاص من أفراده ، ولهذا لم يسمع شهر رجب وشهر شعبان ، وبالجملة فقد أطبقوا على أن العلم في ثلاثة أشهر مجموع المضاف والمضاف إليه شهر رمضان ، وشهر ربيع الأول وشهر ربيع الثاني ، وفي البواقي لا يضاف شهر إليه ، وقد نظم ذلك بعضهم فقال :
ولا تضف شهرا إلى اسم شهر * إلا لما أوله - الرا - فادر
واستثن منها رجبا فيمتنع * لأنه فيما رووه ما سمع
ثم في الإضافة يعتبر في أسباب منع الصرف وامتناع - اللام - ووجوبها حال المضاف إليه فيمتنع في مثل
شَهْرُ رَمَضانَ
وابن داية من الصرف ودخول - اللام - وينصرف في مثل شهر ربيع الأول - وابن عباس - ويجب - اللام - في مثل - امرئ القيس - لأنه وقع جزءا حال تحليته باللام ، ويجوز في مثل - ابن عباس - أما دخوله فللمح الأصل ، وأما عدمه فلتجرده في الأصل ، وعلى هذا فنحو من صام رمضان من حذف جزء العلم لعدم الإلباس - كذا قيل - وفيه بحث - أما أولا فلأن إضافة العام إلى الخاص مرجعها إلى الذوق ، ولهذا تحسن تارة كشجر الأراك ، وتقبح أخرى - كإنسان زيد - وقبحها في
شَهْرُ رَمَضانَ
لا يعرفه إلا من تغير ذوقه من أثر الصوم ، وأما ثانيا فإن قولهم : لم يسمع شهر رجب إلخ مما سمع بين المتأخرين - ولا أصل له - ففي شرح التسهيل جواز إضافة
شَهْرُ
إلى جميع أسماء الشهور وهو قول أكثر النحويين - فادعاء الاطباق غير مطبق عليه ، ومنشأ غلط المتأخرين ما في - أدب الكاتب - من أنه اصطلاح الكتاب ، قال : لأنهم لما وضعوا التاريخ في زمن عمر رضي اللّه تعالى عنه وجعلوا أول السنة المحرم ، فكانوا لا يكتبون في تواريخهم شهرا إلا مع رمضان والربيعين ، فهو أمر اصطلاحي - لا وضعي لغوي - ووجهه في
رَمَضانَ
موافقة القرآن وفي ربيع الفصل عن الفصل ، ولذا صحح سيبويه جواز إضافة الشهر إلى جميع أسماء الشهور ، وفرق بين ذكره وعدمه بأنه حيث ذكر لم يفد العموم - وحيث حذف أفاده - وعليه يظهر الفرق بين - إنسان زيد - و
شَهْرُ رَمَضانَ
ولا يغم هلال ذلك . وأما ثالثا فلأن قوله : ثم في الإضافة إلخ ، مما صرح النحاة بخلافه ، فإن - ابن داية - سمع منه وصرفه كقوله :
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 457 | الآلوسي / علي عبدالباري عطية