تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 448

مساهمون:

ص٤٤٨
الحكاية
فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ
أي تجاوز ما شرع بأن قتل غير القاتل بعد ورود هذا الحكم ، أو قتل القاتل بعد - العفو - وأخذ الدية
فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ
أي نوع من العذاب مؤلم ، والمتبادر أنه في الآخرة ، والمروي عن الحسن وابن جبير أنه في الدنيا بأن يقتل لا محالة ولا يقبل منه دية لما أخرجه أبو داود من حديث سمرة مرفوعا « لا أعافي أحدا قتل بعد أخذ الدية » .
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ
عطف على قوله تعالى :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ
والمقصود منه توطين النفس على الانقياد لحكم
الْقِصاصِ
لكونه شاقا للنفس - وهو كلام في غاية البلاغة - وكان أوجز كلام عندهم في هذا المعنى - القتل أنفى للقتل - وفضل هذا الكلام عليه من وجوه « الأول » قلة الحروف ، فإن الملفوظ هنا عشرة أحرف - إذا لم يعتبر التنوين حرفا على حدة - وهناك أربعة عشر حرفا « الثاني » الإطراد ، إذ في كل - قصاص حياة - وليس كل قتل أنفى للقتل - فإن للقتل ظلما أدعى للقتل « الثالث » ما في تنوين
حَياةٌ
من النوعية أو التعظيم . « الرابع » صنعة الطباق بين - القصاص والحياة - فإن
الْقِصاصِ
تفويت - الحياة - فهو مقابلها . « الخامس » النص على ما هو المطلوب بالذات - أعني الحياة - فإن نفي - القتل - إنما يطلب لها لا لذاته . « السادس » الغرابة من حيث جعل الشيء فيه حاصلا في ضده ، ومن جهة أن المظروف إذا حواه الظرف صانه عن التفرق ، فكان
الْقِصاصِ
فيما نحن فيه يحمي الحياة من الآفات « السابع » الخلو عن التكرار مع التقارب ، فإنه لا يخلو عن استبشاع ، ولا يعد رد العجز على الصدر حتى يكون محسنا « الثامن » عذوبة اللفظ وسلاسته حيث لم يكن فيه ما في قولهم من توالي الأسباب الخفيفة إذ ليس في قولهم : حرفان متحركان على التوالي إلا في موضع واحد ، ولا شك أنه ينقص من سلاسة اللفظ وجريانه على اللسان ، وأيضا الخروج من - الفاء إلى اللام - أعدل من الخروج من - اللام إلى الهمزة لبعد الهمزة من اللام - وكذلك الخروج من - الصاد إلى الحاء - أعدل من الخروج من - الألف إلى اللام - « التاسع » عدم الاحتياج إلى الحيثية ، وقولهم : يحتاج إليها . « العاشر » تعريف
الْقِصاصِ
بلام الجنس الدالة على حقيقة هذا الحكم المشتملة على - الضرب والجرح والقتل - وغير ذلك ، وقولهم : لا يشمله « الحادي عشر » خلوه من أفعل الموهم أن في الترك نفيا للقتل أيضا . « الثاني عشر » اشتماله على ما يصلح للقتال وهو - الحياة - بخلاف قولهم ، فإنه يشتمل على نفي اكتنفه قتلان ، وإنه لمما يليق بهم « الثالث عشر » خلوه عما يوهمه ظاهر قولهم من كون الشيء سببا لانتفاء نفسه - وهو محال إلى غير ذلك - فسبحان من علت كلمته ، وبهرت آيته ، ثم المراد ب
حَياةٌ
اما الدنيوية - وهو الظاهر - لأن في شرع
الْقِصاصِ
والعلم به يروع القاتل عن القتل ، فيكون سبب
حَياةٌ
نفسين في هذه النشأة ، ولأنهم كانوا يقتلون غير القاتل ، والجماعة بالواحد ، فتثور الفتنة بينهم ، وتقوم حرب البسوس على ساق ، فإذا اقتص من القاتل سلم الباقون - ويصير ذلك سببا لحياتهم - ويلزم على الأول الإضمار ، وعلى الثاني التخصيص ، وأما الحياة الأخروية بناء على أن القاتل إذا اقتص منه في الدنيا لم يؤاخذ بحق المقتول في الآخرة ، وعلى هذا يكون الخطاب خاصا بالقاتلين ، والظاهر أنه عام والظرفان إما خبران ل
حَياةٌ
أو أحدهما خبر والآخر صلة له ، أو حال من المستكن فيه . وقرأ أبو الجوزاء « في القصص » وهو مصدر بمعنى المفعول ، والمراد من المقصوص هذا الحكم بخصوصه - أو القرآن مطلقا - وحينئذ يراد - بالحياة - حياة القلوب لا حياة الأجساد ، وجوز كون « القصص » مصدرا بمعنى
الْقِصاصِ
فتبقى - الحياة - على حالها
يا أُولِي الْأَلْبابِ
يا ذوي العقول الخالصة عن شوب الهوى ، وإنما خصهم بالنداء مع أن الخطاب السابق عام