تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 441

مساهمون:

ص٤٤١
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ
المشتمل على فنون الأحكام التي من جملتها أحكام المحللات والمحرمات ، والآية نزلت - كما روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنه - في علماء اليهود كانوا يصيبون من سفلتهم هدايا ، وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم ، فلما بعث من غيرهم كتموا وغيروا صفته صلى اللّه تعالى عليه وسلم حتى لا يتبع فتزول رئاستهم وتنقطع هداياهم
وَيَشْتَرُونَ بِهِ
أي يأخذون بدله في نفس الأمر ، والضمير - للكتاب - أو لما أنزل أو للكتمان
ثَمَناً قَلِيلًا
أي عوضا حقيرا .
أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ
إما في الحال - كما هو أصل المضارع - لأنهم أكلوا ما يتلبس ب
النَّارَ
وهو - الرشا - لكونها عقوبة لها فيكون في الآية استعارة تمثيلية بأن شبه الهيئة الحاصلة من أكلهم ما يتلبس بالنار بالهيئة المنتزعة من - أكلهم النار - من حيث إنه يترتب على - أكل - كل منهما من تقطع الأمعاء والألم ما يترتب على الآخر ، فاستعمل لفظ المشبه به في المشبه ، وإما في المآل ، أي لا يأكلون يوم القيامة
إِلَّا النَّارَ
فالنار في الاحتمالين مستعمل في معناه الحقيقي ، وقيل : إنها مجاز عن - الرشا - إذا أريد الحال ، والعلاقة السببية والمسببية وحقيقة إذا أريد المآل ، ولا يخفى أن الأول هو الأليق بمقام الوعيد ، والجار والمجرور حال مقدرة ، أي
ما يَأْكُلُونَ
شيئا حاصلا
فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ
إذ الحصول في - البطن - ليس مقارنا للأكل ، وبهذا التقدير يندفع ضعف تقديم الحال على الاستثناء ، ولا يحتاج إلى القول بأنه متعلق ب
يَأْكُلُونَ
والمراد في طريق
بُطُونِهِمْ
كما اختاره أبو البقاء ، والتقييد - بالبطون - لإفادة - الملء - لا للتأكيد - كما قيل به - والظرفية بلفظة
فِي
وإن لم تقتض استيعاب المظروف الظرف ، لكنه شاع استعمال ظرفية - البطن - في الاستيعاب كما شاع ظرفية بعضه في عدمه كقوله :
كلوا - في بعض - بطنكم - تعفوا * فإن زمانكم زمن خميص
وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ
أي كلام رحمة - كما قال الحسن - فلا ينافي سؤاله سبحانه إياهم ، وقيل : « لا يكلمهم » أصلا لمزيد غضبه جل جلاله عليهم ، والسؤال بواسطة الملائكة .
وَلا يُزَكِّيهِمْ
أي لا يطهرهم من دنس الذنوب ، أو لا يثني عليهم .
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
أي مؤلم ، وقد جاءت هذه الأخبار مرتبة بحسب المعنى ، لأنه لما ذكر سبحانه اشتراءهم بذلك - الثمن القليل - وكان كناية عن مطاعمهم الخبيثة الفانية بدأ أولا في الخبر بقوله تعالى :
ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ
ثم قابل - كتمانهم الحق - وعدم التكلم به بقوله تعالى :
وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ
تعالى ، وابتنى على - كتمانهم واشترائهم بما أنزل اللّه تعالى ثمنا قليلا - أنهم شهود زور وأحبار سوء آذوا بهذه الشهادة الباطلة رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم وآلموه فقوبلوا بقوله سبحانه :
وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ
وبدأ أولا بما يقابل فردا فردا ، وثانيا بما يقابل المجموع
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا
بسبب كتمانهم الحق للمطامع الدنية ، والأغراض الدنيوية
الضَّلالَةَ بِالْهُدى
في الدنيا
وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ
في الآخرة ، والجملة إما مستأنفة فإنه لما عظم وعيد الكاتمين كان مظنة أن يسأل عن سبب عظم وعيدهم ، فقيل : إنهم بسبب الكتمان خسروا الدنيا والآخرة ، وإما خبر بعد خبر لأن ، والجملة الأولى لبيان شدة وعيدهم ، وهذه لبيان شناعة كتمانهم .
فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ
أي ما أشد صبرهم ، وهو تعجيب للمؤمنين من ارتكابهم موجباتها من غير مبالاة وإلا فأي صبر لهم ، وما في مثل هذا التركيب قيل : نكرة تامة - وعليه الجمهور - وقيل : استفهامية ضمنت معنى التعجب - وإليه ذهب الفراء - وقيل : موصولة - وإليه ذهب الأخفش - وحكي عنه أيضا أنها نكرة موصوفة - وهي على هذه الأقوال - في محل رفع على الابتداء ، والجملة خبرها ، أو خبرها محذوف إن كانت صفة أو صلة ، وتمام الكلام