تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
يلعنهم ، وقيل إن
لَعْنَةُ
مصدر مضاف إلى فاعله والمرفوع معطوف على محله ، وقد أتبعت العرب فاعل المصدر على محله رفعا كقوله : * مشى الهلوك عليها الخيعل « الفضل » * برفع الفضل وهو صفة للهلوك على الموضع ، وإذا ثبت في النعت جاز في العطف إذ لا فارق بينهما ، وادعى أبو حيان عدم الجواز لأن شرط العطف على الموضع أن يكون ثمت طالب ومحرز للموضع لا يتغير ، وأيضا
لَعْنَةُ
وإن سلم مصدريته فهو إنما يعمل إذا انحل - لأن ، والفعل - وهنا المقصود الثبوت فلا يصح انحلاله لهما وسلمه له غيره ، وقالوا : إنه مذهب سيبويه
خالِدِينَ فِيها
أي في اللعنة ، وهو يؤكد ما تفيده اسمية الجملة من الثبات ، وجوز رجوع الضمير إلى النار والإضمار قبل الذكر يدل على حضورها في الذهن المشعر بالاعتناء المفضي إلى التفخيم والتهويل ، وقيل : إن اللعن يدل عليها إذ استقرار الطرد عن الرحمة يستلزم الخلود في النار خارجا وذهنا ، والموت على الكفر وإن استلزم ذلك خارجا لكنه لا يستلزمه ذهنا فلا يدل عليه ، و
خالِدِينَ
على كلا التقديرين في المرجع حال مقارن لاستقرار اللعنة لا كما قيل : إنه على الثاني حال مقدرة
لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ
إما مستأنف لبيان كثرة عذابهم من حيث الكيف إثر بيانه كثرته من حيث الكم ، وإما حال من ضمير عليهم أيضا أو من ضمير
خالِدِينَ
وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ
عطف على ما قبله جار فيه ما جرى فيه ، وإيثار الجملة الاسمية لإفادة دوام النفي واستمراره ، والفعل إما من الإنظار بمعنى التأخير - أي لا يمهلون - عن العذاب ولا يؤخرون عنه ساعة . وإما من النظر بمعنى الانتظار أي - لا ينتظرون - ليعتذروا ، وإما من النظر بمعنى الرؤية أي - لا ينظر اللّه تعالى إليهم نظر رحمة - والنظر بهذا المعنى يتعدى بنفسه أيضا كما في الأساس فيصاغ منه المجهول .
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
نزلت كما روي عن ابن عباس لما قال كفار قريش للنبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم : صف لنا ربك ، والخطاب عام لكل من يصح أن يخاطب كما هو الظاهر غير مختص بشأن النزول ، والجملة معطوفة على
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ
عطف القصة على القصة ، والجامع أن الأولى مسوقة لإثبات نبوته صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وهذه لإثبات وحدانيته تعالى ، وقيل : الخطاب للكاتمين ، وفيه انتقال عن زجرهم عما يعاملون رسولهم إلى زجرهم عن معاملتهم ربهم حيث يكتمون وحدانيته ، ويقولون : عزير ، وعيسى - ابنان للّه عزّ وجل ، وفيه أنه وإن حسن الانتظام إلا أنه فيه خروج شأن النزول عن الآية - وهو باطل - وإضافة - إله - إلى ضمير المخاطبين باعتبار الاستحقاق لا باعتبار الوقوع فإن الآلهة الغير المستحقة كثيرة ، وإعادة لفظ - إله - وتوصيفه بالوحدة لإفادة أن المعتبر الوحدة في الألوهية ، واستحقاق العبادة ، ولولا ذلك لكفي - وإلهكم واحد - فهو بمنزلة وصفهم الرجل - بأنه سيد واحد ، وعالم واحد - وقال أبو البقاء : إله - خبر المبتدأ ، و
واحِدٌ
صفة له ، والغرض هنا هو الصفة إذ لو قال : - وإلهكم واحد - لكان هو المقصود إلا أن في ذكره زيادة تأكيد ، وهذا يشبه الحال الموطئة كقولك : مررت بزيد رجلا صالحا ، وكقولك في الخبر : زيد شخص صالح ، ولعل الأول ألطف ، وأكثر الناس على أن الواحد هنا بمعنى لا نظير له ولا شبيه في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ، وقيل : إن المراد به ما ليس بذي أبعاض ولا يجوز عليه الانقسام ولا يحتمل التجزئة أصلا ، وليس المعنى به هنا مبدأ العدد ، وأصح الأقوال عند ذوي العقول السليمة أنه الذي لا نظير له ولا شبيه له في استحقاق العبادة ، وهو مستلزم لكل كمال آب عما فيه أدنى وصمة وإخلال
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
خبر ثان للمبتدأ أو صفة أخرى للخبر أو جملة معترضة لا محل لها من الإعراب ، وعلى أي تقدير هو مقرر للوحدانية ، ومزيح - على ما قيل - لما عسى أن يتوهم أن في الوجود إلها لكن لا يستحق العبادة ، والضمير المرفوع على الصحيح بدل من الضمير المستكن في الخبر المحذوف فهو بدل مرفوع من ضمير مرفوع ، وقد اختلف في المنفي هل المعبود بحق أو المعبود بباطل ، فقال محمد الشيشيني : النفي إنما تسلط