تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
والمعنى أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة - كما هو الآن -
وَما جَعَلْنَا
قبلتك بيت المقدس لشيء من الأشياء
إِلَّا لِنَعْلَمَ
أي في ذلك الزمان
مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ
أي يتبعك في الصلاة إليها ، والالتفات إلى الغيبة مع إيراده صلى اللّه تعالى عليه وسلم بعنوان الرسالة للإشارة إلى علة الاتباع .
مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ
أي يرتد عن دين الإسلام فلا يتبعك فيها ألفا لقبلة آبائه ، و
مَنْ
هذه للفصل كالتي في قوله تعالى :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ
[ البقرة : 220 ] والكلام من باب الاستعارة التمثيلية بجامع أن المنقلب يترك ما في يديه ويدبر عنه على أسوأ أحوال الرجوع ، وكذلك المرتد يرجع عن الإسلام ويترك ما في يديه من الدلائل على أسوأ حال . و « نعلم » حكاية حال ماضية ، و
يَتَّبِعُ
و
يَنْقَلِبُ
بمعنى الحدوث - والجعل - مجاز باعتبار أنه كان الأصل استقبال الكعبة أو المعنى ( ما جعلنا ) قبلتك بيت المقدس
إِلَّا لِنَعْلَمَ
الآن بعد التحويل إلى الكعبة من يتبعك حينئذ
مِمَّنْ
لا يتبعك كبعض أهل الكتاب ارتدوا لما تحولت
الْقِبْلَةَ
فنعلم على حقيقة الحال . والحاصل أن ما فعلناه كان لأمر عارض - وهو امتحان الناس - إما في وقت - الجعل - أو في وقت التحويل ، وما كان لعارض يزول بزواله ، وقيل : المراد ب
الْقِبْلَةَ
الكعبة بناء على أنه صلى اللّه تعالى عليه وسلم كان يصلي إليها بمكة ، والمعنى ما رددناك
إِلَّا لِنَعْلَمَ
الثابت الذي لا يزيغه شبهة ولا يعتريه اضطراب ممن يرتد بقلقلة واضطراب بسبب التحويل بأنه إن كان الأول حقا فلا وجه للتحويل عنه ، وإن كان الثاني فلا معنى للأمر بالأول - والجعل - على هذا حقيقة ، و
يَتَّبِعُ
للاستمرار بقرينة مقابله ، ويضعف هذا القول أنه يستلزم دعوى نسخ
الْقِبْلَةَ
مرتين ، واستشكلت الآية بأنها تشعر بحدوث - العلم - في المستقبل - وهو تعالى لم يزل عالما - وأجيب بوجوه « الأول » أن ذلك على سبيل التمثيل ، أي فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم « الثاني » أن المراد - العلم - الحالي الذي يدور عليه - فلك الجزاء - أي ليتعلق علمنا به موجودا بالفعل ، فالعلم مقيد بالحادث ، والحدوث راجع إلى القيد « الثالث » أن المراد ليعلم الرسول والمؤمنون ، وتجوز في إسناد فعل بعض خواص الملك إليه تنبيها على كرامة القرب والاختصاص فهو كقول الملك : فتحنا البلد ، وإنما فتحها جنده « الرابع » أنه ضمن العلم معنى التمييز أو أريد به التمييز في الخارج ، وتجوز بإطلاق اسم السبب على المسبب ، ويؤيده تعديه ب
مَنْ
كالتمييز - وبه فسره ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما - ويشهد له قراءة « ليعلم » على البناء للمفعول حيث إن المراد ليعلم كل من يأتي منه - العلم - وظاهر أنه فرع تمييز اللّه وتفريقه بينهما في الخارج بحيث لا يخفى على أحد « الخامس » أن المراد به الجزاء ، أي لنجازي الطائع والعاصي ، وكثيرا ما يقع التهديد في القرآن بالعلم « السادس » أن « نعلم » للمتكلم مع الغير ، فالمراد ليشترك - العلم - بيني وبين الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم والمؤمنين ، ويرد على هذا أن مخالفته مع جعلنا آب عنه ، مع أن تشريك اللّه تعالى مع غيره في ضمير واحد غير مناسب ، ثم العلم إن كان مجازا عن التمييز - فمن ، وممن - مفعولاه بواسطة وبلا واسطة ، وإن كان حقيقة فإمّا أن يكون من الإدراك المعدى إلى مفعول واحد - فمن - موصولة في موضع نصب به ، و
مِمَّنْ
حال أي متميزا
مِمَّنْ
أو من - العلم - المعدى إلى مفعولين ف
مَنْ
استفهامية في موضع المبتدأ ، و
يَتَّبِعُ
في موضع الخبر ، والجملة في موضع المفعولين
مِمَّنْ يَنْقَلِبُ
حال من فاعل
يَتَّبِعُ
وبهذا يندفع قول أبي البقاء : إنه لا يجوز أن تكون
مَنْ
استفهامية لأنه لا يبقى لقوله تعالى :
مِمَّنْ يَنْقَلِبُ
متعلق لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيما بعده ، ولا معنى لتعلقه ب
يَتَّبِعُ
والكلام دال على هذا التقدير - فلا يرد أنه لا قرينة عليه - ثم إن جملة
وَما جَعَلْنَا
إلخ ، معطوفة كالجملتين التاليتين لها على مجموع السؤال والجواب بيان لحكمة التحويل ، وقيل : معطوفة على
لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
ويحتاج إلى أن يقال حينئذ : إنه صلّى اللّه عليه وسلّم مأمور بأداء مضمون