تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا
متعلق بقوله سبحانه :
قُولُوا آمَنَّا
إلخ ، أو بقوله عز شأنه :
بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ
إلخ ، و - إن - لمجرد الفرض والكلام من باب الاستدراج ، وإرخاء العنان مع الخصم حيث يراد تبكيته ، وهو مما تتراكض فيه خيول المناظرين - فلا بأس بحمل كلام اللّه تعالى عليه - يعني نحن لا نقول : إننا على الحق وأنتم على الباطل ، ولكن إن حصلتم شيئا مساويا لما نحن عليه مما يجب الإيمان أو التدين به فقد اهتديتم ومقصودنا هدايتكم كيفما كانت ، والخصم إذا نظر بعين الإنصاف في هذا الكلام وتفكر فيه علم أن الحق ما عليه المسلمون لا غير ، إذ لا مثل لما آمنوا به ، وهو ذاته تعالى وكتبه المنزلة على أنبيائه - ولا دين كدينهم - ف
آمَنُوا
متعدية - بالباء - و - مثل - على ظاهرها ، وقيل :
آمَنُوا
جار مجرى اللازم - والباء - إما للاستعانة والآلة والمعنى إن دخلوا في الإيمان بواسطة شهادة مثل شهادتكم قولا واعتقادا
فَقَدِ اهْتَدَوْا
أو فإن تحروا - الإيمان - بطريق يهدي إلى الحق مثل طريقكم ، فإن وحدة المقصد لا تأبى تعدد الطرق ، كما قيل : الطرق إلى اللّه تعالى بعدد أنفاس الخلائق ، والمقام مقام تعيين الدين الحق لا مقام تعيين شخص الطريق الموصل إليه ليأتي هذا التوجيه ، وإما زائدة للتأكيد ؛ و
ما
مصدرية ؛ وضمير
بِهِ
للّه ، أو لقوله سبحانه :
آمَنَّا بِاللَّهِ
إلخ بتأويل المذكور ، أو للقرآن ، أو لمحمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، والمعنى
فَإِنْ آمَنُوا
بما ذكر مثل إيمانكم به ، وإما للملابسة ، أي فآمنوا متلبسين
بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ
متلبسين به ، أو فإن آمنوا إيمانا متلبسا بمثل ما آمنتم إيمانا متلبسا به من الإذعان والإخلاص وعدم التفريق بين الأنبياء عليهم السلام ، وقيل : المثل مقحم كما في قوله تعالى :
وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ
[ الأحقاف : 10 ] أي عليه ، ويشهد له قراءة أبي « بالذي آمنتم به » وقراءة ابن عباس « بما آمنتم به » وكان رضي اللّه تعالى عنه يقول : اقرءوا ذلك فليس للّه تعالى مثل ، ولعل ذلك محمول على التفسير لا على أنه أنكر القراءة المتواترة - وخفي عليه معناها - ومن الناس من قال : يمكن الاستغناء عن جميع ذلك بأن يقال : فإن آمن اليهود بمثل ما آمنتم كمؤمنيهم قبل التحريف ، فإنهم آمنوا بمثل ما آمن المؤمنون . فإن فيما أوتي به النبيون في زمن محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ما أنزل إليه - ولم يكن ذلك قبله - إلا أن هذا التوجيه يقتضي إبقاء صيغة الماضي على معناها كما في قولهم : إن أكرمتني فقد أكرمتك ، فتأمل انتهى . وأنت تعلم أن المؤمن به لا يتصور فيه التعدد وإبقاء الكلام على ظاهره ، والاستغناء عن جميع ما ذكر يستدعي وجود ذلك التعدد المحال ، فما ذا عسى ينفع هذا سوى تكثير القيل والقال ، وتوسيع دائرة النزاع والجدال ، فتدبر .
وَإِنْ تَوَلَّوْا
أي أعرضوا عن الإيمان المأمور به ، أو عن قولكم في جواب قولهم .
فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ
أي مخالفة للّه تعالى - قاله ابن عباس - أو منازعة ومحاربة - قاله ابن زيد - أو عداوة - قاله الحسن - واختلف في اشتقاق - الشقاق - فقيل : من الشق أي الجانب ، وقيل : من المشقة ، وقيل : مأخوذ من قولهم : شق العصا إذا أظهر العداوة - والتنوين للتفخيم - والجملة جواب الشرط إما على أن المراد مشاقتهم الحادثة بعد توليهم عن الإيمان ، وأوثرت الاسمية للدلالة على ثباتهم واستقرارهم على ذلك ، وإما بتأويل فاعلموا .
فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ
تسلية له صلى اللّه تعالى عليه وسلم وتفريح للمؤمنين بوعد النصر والغلبة وضمان التأييد والإعزاز على أبلغ وجه للسين الدالة على تحقق الوقوع البتة ، أو للتذييل الآتي حيث إن السين في المشهور لا تدل على أكثر من التنفيس عقب ذكر ما يؤدي إلى الجدال والقتال ، والمراد سيكفيك كيدهم وشقاقهم لأن الكفاية لا تتعلق
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 394 | الآلوسي / علي عبدالباري عطية