تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 354

مساهمون:

ص٣٥٤
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ
جوّز في
أَمْ
هذه أن تكون متصلة ، وأن تكون منقطعة ، فإن قدر « تعلمون » قبل
تُرِيدُونَ
بناء على دلالة السياق وهو
أَ لَمْ تَعْلَمْ
والسياق هو الاقتراح فإنه لا يكون إلا عند التعنت - والعلم - بخلافه كانت متصلة ، كأنه قيل : أي الأمرين من عدم العلم بما تقدم ، أو العلم مع الاقتراح واقع ، والاستفهام حينئذ للإنكار بمعنى لا ينبغي أن يكون شيء منهما ، وإن لم يقدر كانت منقطعة للاضراب عن عدم علمهم بالسابق إلى الاستفهام عن اقتراحهم كاقتراح اليهود إنكارا عليهم بأنه لا ينبغي أن يقع أيضا ، وقطع بعضهم بالقطع بناء على دخول الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم في الخطاب أو لا ، وعدم دخوله فيه هنا لأنه مقترح عليه لا مقترح - وذلك مخل بالاتصال - وأجيب بأنه غير مخل به لحصوله بالنسبة إلى المقصد ، وإرادة الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم في الأول كانت لمجرد التصوير والانتقال لما قدمنا أنهم بطريق الكناية ، والمراد - على التقديرين - توصيته المسلمين بالثقة برسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وترك الاقتراح بعد رد طعن المشركين أو اليهود في - النسخ - فكأنه قيل : لا تكونوا فيما أنزل إليكم من القرآن مثل اليهود في ترك الثقة بالآيات البينة واقتراح غيرها فتضلوا وتكفروا بعد الإيمان ، وفي هذه التوصية كمال المبالغة والبلاغة حتى كأنهم بصدد الإرادة فنهوا عنها - فضلا عن السؤال - يعني من شأن العاقل أن لا يتصدى لإرادة ذلك ، ولم يقل سبحانه : كما سأل أمة موسى عليه السلام أو اليهود للإشارة إلى أن من سأل ذلك يستحق أن يصان اللسان عن ذكره - ولا يقتضي سابقية وقوع الاقتراح منهم - ولا يتوقف مضمون الآية عليه إذ التوصية لا تقتضي سابقية الوقوع ، كيف وهو كفر - كما يدل عليه ما بعد - ولا يكاد يقع من المؤمن ، ومما ذكرنا يظهر وجه ذكر هذه الآية بعد قوله تعالى :
ما نَنْسَخْ
فإن المقصد من كل منهما تثبيتهم على الآيات وتوصيتهم بالثقة بها ، وأما بيانه بأنه لعلهم كانوا يطلبون منه عليه الصلاة والسلام بيان تفاصيل الحكم الداعية إلى النسخ فلذا أردفت آية النسخ بذلك فأراه إلى التمني أقرب ، وقد ذكر بعض المفسرين أنهم اقترحوا على الرسول صلى اللّه تعالى عليه وسلم في غزوة خيبر أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين ، فقال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم : « سبحان اللّه ! هذا كما قال قوم موسى : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة . والذي نفسي بيده لتركبن سنن من قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة إن كان فيهم من أتى أمه يكون فيكم . فلا أدري أتعبدون العجل أم لا ؟ » وهو مع الحاجة إليه يستدعي أن المخاطب في الآيات هم المؤمنون ، والسباق والسياق والتذييل تشهد له ، وعليه يترجح الاتصال - لما نقل عن الرضيّ - أن الفعليتين إذا اشتركتا في الفاعل نحو أقمت أم قعدت ؟ - فأم - متصلة ، وزعم قوم أن المخاطب بها اليهود ، وأن الآية نزلت فيهم حين سألوا أن ينزل عليهم كتاب من السماء جملة - كما نزلت التوراة على موسى عليه السلام - وخاطبهم بذلك بعد رد طعنهم تهديدا لهم ، وحينئذ يكون المضارع الآتي بمعنى الماضي ، إلا أنه عبر به عنه إحضارا للصورة الشنيعة ، واختار هذا الإمام الرازي وقال : إنه الأصح ، لأن هذه سورة من أول قوله تعالى :
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ
[ البقرة : 40 ] حكاية عن اليهود ومحاجة معهم ، ولأنه جرى ذكرهم وما جرى ذكر غيرهم ، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأل ما يكون متبدلا به
الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ
ولا يخفى ما فيه ، وكأنه رحمه اللّه تعالى نسي قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا
وقيل : إن المخاطب أهل مكة ، وهو قول ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ، وقد روي عنه أن الآية نزلت في عبد اللّه بن أمية ورهط من قريش قالوا : يا محمد ، اجعل لنا الصفا ذهبا ووسع لنا أرض مكة ، وفجر لنا الأنهار خلالها تفجيرا ونؤمن لك ، وحكي في سبب النزول غير ذلك ، ولا مانع - كما في البحر - من جعل الكل أسبابا ، وعلى الخلاف في المخاطبين يجيء الكلام في
رَسُولَكُمْ
فإن كانوا المؤمنين فالإضافة على ما في نفس الأمر وما أقروا به من رسالته صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وإن كانوا غيرهم فهي على ما في نفس الأمر دون الإقرار ، وما مصدرية ، والمشهور أن المجرور نعت لمصدر محذوف -