تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
عن الإيمان بما جاء به مثلا ، واستفعل هنا بمعنى تفعل .
فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ
الظاهر أنه عطف على
اسْتَكْبَرْتُمْ
والفاء للسببية إن كان التكذيب والقتل مرتبين على الاستكبار ، وللتفصيل إن كانا نوعين منه ، وجوز الراغب أن يكون عطفا على
وَأَيَّدْناهُ
ويكون
أَ فَكُلَّما
مع ما بعده فصلا بينهما على سبيل الإنكار ، وقدم
فَرِيقاً
في الموضعين للاهتمام وتشويق السامع إلى ما فعلوا بهم لا للقصر ، وثم محذوف أي
فَرِيقاً
منهم ، وبدأ بالتكذيب لأنه أول ما يفعلونه من الشر ولأنه المشترك بين المكذب والمقتول ، ونسب القتل إليهم مع أن القاتل آباؤهم لرضاهم به ولحوق مذمته بهم ، وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية واستحضارا لصورتها لفظاعتها واستعظامها ، أو مشاكلة للأفعال المضارعة الواقعة في الفواصل فيما قبل ، أو للدلالة على أنكم الآن فيه فإنكم حول قتل محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ولولا أني أعصمه لقتلتموه ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة ، فالمضارع للحال ولا ينافيه قتل البعض . والمراد من القتل مباشرة الأسباب الموجبة لزوال الحياة سواء ترتب عليه أولا ، وقيل : لا حاجة إلى التعميم لأنه صلى اللّه تعالى عليه وسلم قتل حقيقة بالسم الذي ناولوه على ما وقع في الصحيح بلفظ « وهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم » وفيه أنه لم يتحقق منهم القتل زمان نزول الآية بل مباشرة الأسباب فلا بد من التعميم .
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ
عطف على
اسْتَكْبَرْتُمْ
أو على
كَذَّبْتُمْ
فتكون تفسيرا للاستكبار ، وعلى التقديرين فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة إعراضا عن مخاطبتهم وإبعادا لهم عن عز الحضور ، والقائلون هم الموجودون في عصر النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، و - الغلف - جمع أغلف كأحمر وحمر وهو الذي لا يفقه ، قيل وأصله ذو الغلفة الذي لم يختن ، أو جمع غلاف ويجمع على غلف بضمتين أيضا . وبه قرأ ابن عباس وغيره ، وأرادوا على الأول قلوبنا مغشاة بأغشية خلقية مانعة عن نفوذ ما جئت به فيها ، وهذا كقولهم :
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ
[ فصلت : 5 ] قصدوا به إقناط النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم عن الإجابة وقطع طمعه عنهم بالكلية ، وقيل : مغشاة بعلوم من التوراة نحفظها أن يصل إليها ما تأتي به ، أو بسلامة من الفطرة كذلك ، وعلى الثاني أنها أوعية العلم فلو كان ما تقوله حقا وصدقا لوعته - قاله ابن عباس . وقتادة والسدي - أو مملوءة علما فلا تسع بعد شيئا فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره ، روي ذلك عن ابن عباس أيضا ، وقيل : أرادوا أنها أوعية العلم فكيف يحل لنا اتباع الأمي ولا يخفى بعده .
بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ
رد لما قالوه ، وتكذيب لهم فيما زعموه ، والمعنى أنها خلقت على فطرة التمكن من النظر الصحيح الموصل إلى الحق لكن اللّه تعالى أبعدهم ، وأبطل استعدادهم الخلقي للنظر الصحيح بسبب اعتقاداتهم الفاسدة وجهالاتهم الباطلة الراسخة في قلوبهم ، أو أنها لم تأب قبول ما تقوله لعدم كونه حقا وصدقا بل لأنه سبحانه طردهم وخذلهم بكفرهم فأصمهم وأعمى أبصارهم . أو أن اللّه تعالى أقصاهم عن رحمته فأنى لهم ادعاء العلم الذي هو أجل آثارها ، ويعلم من هذه الوجوه كيفية الرد على ما قيل قبل من الوجوه
فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ
الفاء لسببية اللعن لعدم الايمان ، و - قليلا - نصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي إيمانا قليلا ، وهو إيمانهم ببعض الكتاب « ما » مزيدة لتأكيد معنى القلة لا نافية لأن ما في حيزها لا يتقدمها ولأنه وإن كان بمعنى - لا يؤمنون قليلا فضلا عن الكثير - لكن ربما يتوهم لا سيما مع التقديم أنهم لا يؤمنون قليلا بل كثيرا ، ولا مصدرية لاقتضائها رفع القليل بأن يكون خبرا ، والمصدر المعرف بالإضافة مبتدأ ، والتقدير فإيمانهم قليل ، وجوز بعضهم - كونها نافية بناء على مذهب الكوفيين من جواز تقدم ما في حيزها عليها ولم يبال بالتوهم وآخرون كونها مصدرية ، والمصدر فاعل « قليلا » وكانوا مقدرة في نظم الكلام
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 318 | الآلوسي / علي عبدالباري عطية