تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
متقاربان في المعنى غير أن أزلّ يقتضي عثرة مع الزوال - والضمير حينئذ للجنة وعوده إلى الشجرة بتجوز ، أو تقدير مضاف - أي محلها - أو إلى الطاعة المفهومة من الكلام - بعيد ، وإزلاله - عليه اللعنة - إياهما - عليهما السلام - كان بكذبه عليهما ومقاسمته على ما قص اللّه تعالى في كتابه ، وفي كيفية توسله إلى ذلك أقوال ، فقيل : دخل الجنة ابتلاء لآدم وحواء ، وقيل : قام عند الباب فناداهما وأفسد حالهما ، وقيل : تمثل بصورة دابة فدخل ولم يعرفه الخزنة ، وقيل : أرسل بعض أتباعه إليهما . وقيل : بينما هما يتفرجان في الجنة إذ راعهما طاوس تجلى لهما على سور الجنة فدنت حواء منه ، وتبعها آدم فوسوس لهما من وراء الجدار ، وقيل : توسل بحية تسورت الجنة - ومشهور حكاية الحية - وهذان الأخيران يشير أولهما عند ساداتنا الصوفية إلى توسله من قبل الشهوة خارج الجنة ، وثانيهما إلى توسله بالغضب ، وتسور جدار الجنة عندهم إشارة إلى أن الغضب أقرب إلى الأفق الروحاني والحيز القلبي من الشهوة ، وقيل : توسله إلى ما توسل إليه إذ ذاك مثل توسله اليوم إلى إذلال من شاء اللّه تعالى وإضلاله ، ولا نعرف من ذلك إلا الهواجس والخواطر التي تفضي إلى ما تفضي ، ولا جزم عند كثير في دخول الشيطان في القلب بل لا يعقلونه ، ولهذا قالوا : خبر إن الشيطان - يجري من بني آدم مجرى الدم - محمول على الكناية عن مزيد سلطانه عليهم وانقيادهم له ، وكأني بك تختار هذا القول ، وقال أبو منصور : ليس لنا البحث عن كيفية ذلك ، ولا نقطع القول بلا دليل ، وهذا من الإنصاف بمكان ، وقرأ ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه « فوسوس لهما الشيطان عنها » « 1 » والضمير في هذه القراءة - للشجرة - لا غير ، وعوده إلى - الجنة - بتضمين الإذهاب ونحوه بعيد
فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ
أي من النعيم والكرامة أو من الجنة . « الأول » جار على تقدير رجوع ضمير
عَنْها
إلى - الشجرة - أو - الجنة - « الثاني » مخصوص بالتقدير الأول - لئلا يسقط الكلام . وقيل : أخرجهما من لباسهما الذي
كانا فِيهِ
لأنهما لما أكلا تهافت عنهما ، وفي الكلام من التفخيم ما لا يخفى
وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
- الهبوط - النزول ، وعين المضارع تكسر وتضم ، وقال المفضل : هو الخروج من البلد ، والدخول فيها من الأضداد - ويقال في انحطاط المنزلة - والبعض في الأصل مصدر بمعنى القطع ويطلق على الجزء ، وهو ككل ملازم للإضافة - لفظا أو نية - ولا تدخل عليه اللام ، ويعود عليه الضمير مفردا ومجموعا - إذا أريد به جمع - والعدو - من - العداوة - مجاوزة الحد أو التباعد أو الظلم ، ويطلق على الواحد المذكر ومن عداه بلفظ واحد ، وقد يقال : - أعداء وعدوة - والخطاب لآدم وحواء ، لقوله تعالى :
قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً
[ طه : 123 ] والقصة واحدة ، وجمع الضمير لتنزيلهما منزلة البشر كلهم ، ولما كان في الأمر بالهبوط انحطاط رتبة المأمور لم يفتتحه بالنداء - كما افتتح الأمر بالسكنى - واختار الفراء أن المخاطب - هما وذريتهما - وفيه خطاب المعدوم ، والمأثور عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما ومجاهد وكثير من السلف - أنه هما وإبليس - واعترض بخروجه قبلهما . وأجيب بأن الاخبار عما قال لهم مفرقا - على أنه لا مانع من المعية - وقيل : هم والحية ، واعترض بعدم تكليفها ، وأجيب بأن الأمر تكويني ، والجملة الاسمية منصوبة المحل على الحال المقدرة ، والحكم باعتبار الذرية . وإذا دخل إبليس والحية - كان الأمر أظهر ، ولا يرد أنه كيف يقيد الأمر بالتعادي - وهو منهي عنه - لأنا نقول بصرف توجه النظر عن القيد كون العداوة طبيعية - والأمور الطبيعية غير مكلف بها - وإن كلف فبالنظر إلى أسبابها ، وإذا جعل الأمر تكوينيا زال الإشكال - إلا أن فيه بعدا - وبعضهم يجعل الجملة مستأنفة على تقدير السؤال فرارا عن هذا السؤال - مع ما في الاكتفاء بالضمير دون الواو في الجملة الاسمية الحالية من - المقال ، حتى ذهب الفراء إلى
هامش
( 1 ) سورة الأعراف الآية : 20