تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
جملتهم فورد الجواب منهم مجملا ، فلما انفصل إبليس عن جملتهم بإبائه انفصل الجواب إلى نوعين ، فنوع الاعتراض منه ، ونوع التسبيح والتقديس ممن عداه ، فانقسم الجواب إلى قسمين كانقسام الجنس إلى جنسين ، وناسب كل جواب من ظهر عنه ، فالكلام شبيه بقوله تعالى :
وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا
[ البقرة : 135 ] وهو تأويل لا تفسير
قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
أي أعلم من الحكم في ذلك ما أنتم بمعزل عنه ، وقيل : أراد بذلك علمه بمعصية إبليس وطاعة آدم ، وقيل : بأنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء وصالحون ، وقيل : الأحسن أن يفسر هذا المبهم بما أخبر به تعالى عنه بقوله سبحانه :
إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
ويفهم من كلام القوم قدس اللّه تعالى أسرارهم ، أن المراد من الآية بيان الحكمة في الخلافة على أدق وجه وأكمله ، فكأنه قال جل شأنه - أريد الظهور بأسمائي وصفاتي ولم يكمل ذلك بخلقكم - فإني أعلم ما لا تعلمونه لقصور استعدادكم ونقصان قابليتكم ، فلا تصلحون لظهور جميع الأسماء والصفات فيكم ، فلا تتم بكم معرفتي ولا يظهر عليكم كنزي ، فلا بد من إظهار من تم استعداده ، وكملت قابليته ليكون مجلى لي ومرآة لأسمائي وصفاتي ومظهرا للمتقابلات فيّ ، ومظهرا لما خفي عندي ، وبي يسمع وبي يبصر وبي وبي ، وبعد ذاك يرق الزجاج والخمر ، وإلى اللّه عز شأنه يرجع الأمر . و
أَعْلَمُ
فعل مضارع ، واحتمال أنه أفعل تفضيل مما لا ينبغي أن يخرج عليه كتاب اللّه سبحانه كما لا يخفى
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها
عطف على « قال » ، وفيه تحقيق لمضمون ما تقدم ، وظاهر الابتداء بحكاية التعليم يدل على أن ما مر من المقاولة إنما جرت بعد خلقه عليه السلام بمحضر منه بأن قيل أثر نفخ الروح فيه : إني جاعل إياه خليفة ، فقيل ما قيل ، وقيل : إنه معطوف على محذوف ، أي فخلق وعلم ، أو فخلقه وسواه ونفخ فيه الروح وعلم ، أو فجعل في الأرض خليفة وعلم ، وإبراز اسمه عليه السلام للتنصيص عليه والتنويه بذكره . و
آدَمَ
صرح الجواليقي وكثيرون أنه عربي ووزنه أفعل من الأدمة - بضم فسكون - السمرة وياما أحيلاها في بعض ، وفسرها أناس بالبياض أو الأدمة - بفتحتين - الأسوة والقدوة أو من أديم الأرض ما ظهر منها . وقد أخرج أحمد والترمذي وصححه غير واحد ، أنه تعالى قبض قبضة من جميع الأرض سهلها وحزنها ، فخلق منها آدم ، فلذلك تأتي بنوه أخيافا « 1 » ، أو من الأدم أو الأدمة ، الموافقة والألفة ، وأصله أآدم - بهمزتين - فأبدلت الثانية ألفا لسكونها بعد فتحة ، ومنع صرفه للعلمية ووزن الفعل ، وقيل : أعجمي ووزنه فاعل - بفتح العين - ويكثر هذا في الأسماء - كشالخ وآزر - ويشهد له جمعه على أوادم - بالواو - لا - أآدم - بالهمزة ، وكذا تصغيره على - أويدم - لا - أؤيدم - واعتذر عنه الجوهري بأنه ليس للهمزة أصل في البناء معروف ، فجعل الغالب عليها - الواو - ولم يسلموه له ، وحينئذ لا يجري الاشتقاق فيه لأنه من تلك اللغة لا نعلمه ومن غيرها لا يصح ، والتوافق بين اللغات بعيد ، وإن ذكر فيه فذاك للإشارة إلى أنه بعد التعريب ملحق بكلامهم ، وهو اشتقاق تقديري اعتبروه لمعرفة الوزن والزائد فيه من غيره ، ومن أجراه فيه حقيقة كمن جمع بين الضب والنون ، ولعل هذا أقرب إلى الصواب . و
الْأَسْماءَ
جمع اسم وهو باعتبار الاشتقاق ما يكون علامة للشيء ودليلا يرفعه إلى الذهن من الألفاظ الموضوعة بجميع اللغات والصفات والأفعال ، واستعمل عرفا في الموضوع لمعنى مفردا كان أو مركبا مخبرا عنه أو خبرا أو رابطة بينهما ، وكلا المعنيين محتمل . والعلم بالألفاظ المفردة والمركبة تركيبا خبريا أو إنشائيا يستلزم العلم بالمعاني التصورية والتصديقية . وإرادة المعنى المصطلح مما لا يصلح لحدوثه بعد القرآن . وقال الإمام : المراد بالأسماء صفات الأشياء ونعوتها وخواصها ، لأنها علامات دالة على ماهياتها ، فجاز أن يعبر عنها بالأسماء ، وفيه كما قال الشهاب نظر إذ
هامش
( 1 ) أي مختلفين ا ه منه .