فأمّا الشّحّ فقد عظم أمره ، وخوّف منه ، ولهذا قال عليه السّلام : « ثلاث مهلكات : شحّ مطاع ، وهوى متّبع ، وإعجاب المرء بنفسه » . ( 1 ) فخصّ المطاع تنبيها على أنّ وجود الشّحّ في النّفس فقط ليس ممّا يستحقّ به ذمّ لأنّه ليس من فعله ، وإنّما يذمّ بالانقياد له . قال سبحانه : « وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ » ( 2 ) وقال : « وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ » . ( 3 ) فأمّا الجود فإنّه محمود على جميع ألسنة العالم ، ولهذا قيل : كفى بالجود مدحا أنّ اسمه مطلقا لا يقع إلَّا في حمد . وكفى بالبخل ذمّا أنّ اسمه مطلقا لا يقع إلَّا في ذمّ . ( 4 ) أقول : استعمال ( جائد وباخل ) غير مألوف ، والمألوف هو الجواد والبخيل . فكيف يجعل المألوف فرعا ، وغير المألوف أصلا قوله عليه السّلام : « يقعد عنك أحوج ما تكون إليه » بإمساكه في بذل المال لك وإن كان من أمسّ الخلق إليك من أقربائك . والبخل خلَّة ممقوتة ، توجب لصاحبها حرمان الجنّة ، والبعد من رحمة الله الواسعة ، وتورده موارد السّخط والهلاك . وقد ضربت به الأمثال ، فقالوا : ( أبخل من صبيّ ، ومن كسع ) . قالوا : هو رجل بلغ من بخله أنّه كوى است كلبه حتّى لا ينبح ، فيدلّ عليه الضّيف . ( بشّر مال الشّحيح بحادث أو وارث ) . ( 5 ) وللبحث تتمّة .
الأمثال والحكم المستخرجة من نهج البلاغة — صفحة 568
مساهمون: محمد الغروي
ص٥٦٨
هامش
( 1 ) السّفينة 2 / 721 في ( هلك ) حديث نبويّ .
( 2 ) الحشر : 9 .
( 3 ) النّساء : 128 .
( 4 ) شرح النّهج : 19 / 316 - 317 .
( 5 ) مجمع الأمثال : 1 / 120 ، حرف الباء .