الكبر ، ولكن الأول هو الأوفق لمقصود المتكلم . كما يقال عند لوم المتجرئ : بأنك
تقترف جريمة لأجل دينار بل فوقه ، أي نصف دينار ، والمراد من الفوقية هو الفوقية
في الحقارة .
وقد أورد الزمخشري على نفسه سؤالا ، وهو : كيف يضرب الله المثل لما دون
البعوضة وهي في النهاية في الصغر ؟ ثم أجاب :
إن جناح البعوضة أقل منها وأصغر بدرجات ، وقد ضربه رسول الله ( صلى الله عليه
وآله وسلم ) مثلا للدنيا ، وفي خلق الله حيوان أصغر منها ومن جناحها ربما رأيت
في تضاعيف الكتب العتيقة دويبة لا يكاد يجليها للبصر الحاد إلا تحركها فإذا
سكنت ، فالسكون يواريها ، ثم إذا لوحت لها بيدك حادت عنها وتجنبت مضرتها ،
فسبحان من يدرك صورة تلك وأعضاءها الظاهرة والباطنة ، وتفاصيل خلقتها ،
ويبصر بصرها ، ويطلع على ضميرها ، ولعل في خلقه ما هو أصغر منها وأصغر
سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا
يعلمون . ( 1 )
وقال البيضاوي : لما كانت الآيات السابقة متضمنة لأنواع من التمثيل عقب ذلك
ببيان حسنه ، وما هو الحق له والشرط فيه ، وهو أن يكون على وفق الممثل له من
الجهة التي تعلق بها التمثيل في العظم والصغر ، والخسة والشرف ، دون الممثل ، فإن
التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعنى الممثل له ، ورفع الحجاب عنه وإبرازه في صورة
المشاهد المحسوس ، ليساعد فيه الوهم العقل ويصالحه عليه ، فإن المعنى الصرف إنما
يدركه العقل مع منازعة من الوهم ، لأن من طبعه الميل إلى الحس وحب المحاكاة ،
ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهية وفشت في عبارات البلغاء ، وإشارات
الحكماء ، فيمثل الحقير بالحقير كما يمثل العظيم
هامش
1 - الكشاف : 1 / 205 - 206 .