الهداية . . .
وهو يخشى ( 1 ) ، فخشيته من الله هي التي دفعته للوصول إليك ، كي يستمع
إلى الحقائق ليزكي نفسه فيها ، ويعمل على مقتضاها .
فأنت عنه تلهى ( 2 ) .
ويشير التعبير ب " أنت " إلى أن التغافل عن طالبي الحقيقة ، ومهما كان يسيرا ،
فهو ليس من شأن من مثلك ، وإن كان هدفك هداية الآخرين ، فبلحاظ
الأولويات ، فإن المستضعف الظاهر القلب والمتوجه بكله إلى الحق ، هو أولى من
كل ذلك الجمع المشرك .
وعلى أية حال : فالعتاب سواء كان موجه إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أو إلى غيره ، فقد
جاء ليكشف عن اهتمام الإسلام أو القرآن بطالبي الحق ، والمستضعفين منهم
بالذات .
وعلى العكس من ذلك حدة وصرامة موقف الإسلام والقرآن من الأثرياء
المغرورين إلى درجة أن الله لا يرضى بإيذاء رجل مؤمن مستضعف .
وعلة ذلك ، إن الطبقة المحرومة من الناس تمثل : السند المخلص للإسلام
دائما . . . الأتباع الأوفياء لأئمة دين الحق ، المجاهدين الصابرين في ميدان القتال
والشهادة ، كما تشير إلى هذا المعنى رسالة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) لمالك الأشتر : " وإنما
عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء العامة من الأئمة ، فليكن صغوك لهم
وميلك معهم " ( 3 ) .
* * *
هامش
1 - يراد بالخشية هنا : الخوف من الله تعالى ، الذي يدفع الإنسان ليتحقق بعمق وصولا لمعرفته جل اسمه ، وكما يعبر المتكلمون
عنه ب . . . وجوب معرفة الله بدليل دفع الضرر المحتمل .
واحتمل الفخر الرازي : يقصد بالخشية ، الخوف من الكفار ، أو الخوف من السقوط على الأرض لفقدانه البصر . وهذا بعيد جدا .
2 - " التلهي " : من ( اللهو ) ، ويأتي هنا بمعنى الغفلة عنه والاستغفال بغيره ، ليقف في قبال " التصدي " .
3 - نهج البلاغة ، الرسالة 53 .