الإلهية ، إذ يمكن سلبها متى يشاء ليتسنى للعباد تحمل ثقل المسؤولية الذي يعتبر
رمزا للتكامل من جهة ، ومن جهة أخرى أن لا يتوهموا استغنائهم عن الله تعالى .
والخلاصة ، أن هذه الآية تدعو الانسان إلى أن لا يتوهم أنه مستغن عن
رعاية الله وتوفيقه . وفي نفس الوقت تؤكد حريته في أعماله وسلوكه .
ويتضح هنا أن تمسك بعض المفسرين القائلين بالجبر كالفخر الرازي بهذه
الآية بسبب الخلفيات الذهنية المسبقة في هذه المسألة ، فيقول : واعلم أن هذه
الآية من جملة الآيات التي تلاطمت فيها أمواج الجبر والقدر ! ( 1 ) نعم ، إذا فصلنا
هذه الآية عن الآيات السابقة فهناك محل لهذا الوهم . ولكن بالالتفات إلى ما ورد
من تأثير الاختيار في آية ، وفي آية أخرى تأثير المشيئة الإلهية ، يتضح بصورة
جيدة مفهوم ( الأمر بين الأمرين ) .
وعجيب أن أنصار التفويض يتمسكون بتلك الآية التي تتحدث عن
الاختيار المطلق فقط ، وأنصار الجبرية يتمسكون بالآية التي تشير إلى الجبر
فقط ، ويريد كل منهما تبرير أحكامهم المسبقة بتلك الآية ، والحال أن الفهم
الصحيح للكلام الإلهي ( أو أي كلام آخر ) يستوجب ضم الآيات جنبا إلى جنب ،
وترك التعصب والقضاء بالأحكام المسبقة .
ولعل آخر الآية : إن الله كان عليما حكيما . يشير حكمه إلى هذا المعنى ،
لأن حكمة الله تستوجب إعطاء الحرية للعباد في سلوك طريق التكامل ، وإلا فإن
التكامل الإجباري لا يعد تكاملا ، بالإضافة إلى أن حكمة الله لا تتفق مع فرض
الأعمال الخيرة على أناس وفرض الأعمال الشريرة على أناس آخرين ، ثم أنه
يثيب الجماعة الأولى ويعاقب الثانية .
ثم تشير الآية الأخرى بعد ذلك إلى مصير الصالحين والطالحين في جملة
هامش
1 - تفسير الفخر الرازي ج 30 ص 262 .