تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
وبناء على هذا فإن القرآن الكريم يأمر الناس في هذه الآيات أن يتطلعوا ويتأملوا ويدققوا النظر في عالم الوجود ثلاث مرات - كحد أدنى - ويتدبروا أسرار الخلق . وبمعنى آخر فإن على الإنسان أن يدقق في خلق الله سبحانه مرات ومرات ، وعندما لا يجد أي خلل أو نقص في هذا النظام العجيب والمحير لخلق الكون ، فإن ذلك سيؤدي إلى معرفة خالق هذا الوجود العظيم ومدى علمه وقدرته اللامتناهية ، مما يؤدي إلى عمق الإيمان به سبحانه والقرب من حضرته المقدسة . " خاسئ " من مادة ( خسأ ) و ( خسوء ) على وزن ( مدح ، وخشوع ) وإذا كان مورد استعمالها العين ، فيقصد بهما التعب والعجز ، أما إذا استعملت للكلب فيقصد منها طرده وإبعاده . " حسير " من مادة ( حسر ) ، على وزن ( قصر ) بمعنى جعل الشئ عاريا ، وإذا ما فقد الإنسان قدرته واستطاعته بسبب التعب ، فإنه يكون عاريا من قواه ، لذا فإنها جاءت بمعنى التعب والعجز . وبناء على هذا فإن كلمتي ( خاسئ ) و ( حسير ) اللتين وردتا في الآية أعلاه ، تعطيان معنى واحدا في التأكيد على عجز العين ، وبيان عدم مقدرتها على مشاهدة أي خلل أو نقص في نظام عالم الوجود . وفرق البعض بين معنى الكلمتين ، إذ قال : إن ( خاسئ ) تعني المحروم وغير الموفق ، و ( حسير ) بمعنى العاجز . وعلى كل حال فيمكن استنتاج أساسين من الآيات المتقدمة : الأول : أن القرآن الكريم يأمر جميع السائرين في درب الحق أن يتدبروا ويتأملوا كثيرا في أسرار عالم الوجود وما فيه من عجائب الخلق ، وأن لا يكتفوا بالنظر إلى هذه المخلوقات مرة واحدة أو مرتين ، حيث أن هنالك أسرارا كثيرة وعظيمة لا تتجلى ولا تظهر من خلال النظرة الأولى أو الثانية . بل تستدعي النظر الثاقب والمتعاقب والدقة الكثيرة ، حتى تتضح الأسرار وتتبين الحقائق .