وفي يوم الحشر يلجأ المنافقون لنفس الأسلوب في الحلف ، كما جاء في
الآية 18 من سورة المجادلة .
وبذلك يتضح أن هذا السلوك صار جزءا من كيانهم ، فهم لا يمتنعون عنه حتى
في مشهد الحشر بين يدي الله تعالى .
وتتطرق الآية اللاحقة إلى ذكر السبب الذي يقف وراء هذه الأعمال السيئة ،
حيث يقول تعالى : ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا
يفقهون .
والمقصود بالإيمان - كما يعتقد بعض المفسرين - هو الإيمان الظاهري الذي
يخفي وراءه الكفر .
ولكن يبدو أن الآية تريد أن تقول : إنهم كانوا مؤمنين حقا وذاقوا طعم
الإيمان ولمسوا حقانية الإسلام والقرآن ، ثم انتهجوا منهج الكفر مع احتفاظهم
بظاهر الإيمان أو الإيمان الظاهري . وقد سلب الله منهم حس التشخيص وحرمهم
إدراك الحقائق ، لأنهم أعرضوا عن الحق ، وأداروا له ظهورهم بعد أن شخصوه
وعرفوه حقا .
والواقع أن المنافقين مجموعتان :
المجموعة الأولى : كان إيمانها منذ البداية ظاهريا وصوريا .
والثانية : كان إيمانها حقيقيا في البداية ثم ارتدوا ولزموا طريق النفاق .
والظاهر أن الآية - مورد البحث - تتعرض للمجموعة الثانية .
وتشبه هذه الآية ( 74 ) من سورة التوبة التي تقول : وكفروا بعد
إسلامهم .
على كل حال فإن عدم قدرتهم على إدراك الحقائق الواضحة تعتبر علامة
ثالثة من علامات نفاقهم .
ومن الواضح أنهم غير مجبرين على ذلك ، لأنهم قد هيأوا مقدماته بأنفسهم .
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 356
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٥٦