واستُبْهِم الحقّ على الآخرين ؛ أعرض النّاس عن الثّقلين ، وتاهوا في بداء ضلالتهم عن النجدينِ إلّا شرذمة من المؤمنين ، فمكثوا بذلك سنين ، وعمهوا في غمرتهم حتّى حين .
ثمّ تسافل الأمر إلى أن تقمّصها عُلُوج « 1 » بني اميّة الشّرابون للخمور المعلنون بالفجور المستعلنون بلبس الحرير ولعب الطنابير ، قاتلوا ذرّيّة المصطفى ، المتديّنون بسبّ المرتضى ، ثمّ تلقّفها بنو العبّاس السالكون مسالك أولئك الأرجاس ، أخذوها بسيف الخراساني كما ملك من قبلهم بصولة فَظَاظَة « 2 » الثّاني ؛ وكان العلم في هذه المدّة المتطاولة مكتوماً « 3 » وأهله مظلوماً ، لا سبيل لهم إلى إبرازه إلّا بتعميته وإلغازه « 4 » .
ثمّ خلف من بعدهم خلف غير عارفين الولاية « 5 » ولا ناصبين العداوة ، لم يدروا ما صنعوا وعمّن أخذوا ، فعمدوا إلى طائفة ممارّين من أهل الأهواء وقوم مرائين من الجهلاء زعموا أنّهم من العلماء ، فكانوا يفتونهم بالآراء ، وذلك لأنّ من جملة ما كان عندهم من حديث رسول الله ( ص ) في الحرام والحلال والفرائض والأحكام ليست إلّا أربعة آلاف على ما قالوه ولم يكفهم ذلك . فإذا نُزِلَتْ حادثة ولم يكن له فيها رواية خاضوا في استنباط الحكم فيها بالرّأي من أُصول وضعوها وقواعد أسّسوها ؛ استناداً إلى رواية كانت من اختلاف أئمّتهم وافتراء رؤسائهم ، وكانوا وضعوها لترويج أهوائهم .
وبالجملة ، غمّضوا العينين « 6 » ، ورفضوا الثّقلين ، وأحدثوا في العقائد بدعاً ، وتحزّبوا فيها شيعاً ، واخترعوا في الأحكام أشياء ، حكموا فيها بالآراء ، وزادوا ونقصوا في التّكاليف ، وصنّفوا فيها
هامش
( 1 ) - جمع العِلْج ، حمار الوحش السمين القويّ ، الرجل الضخم القويّ من كفّار العجم .
( 2 ) - الفَظّ : الغليظ السيّء الخُلق الخشن الكلام .
( 3 ) - في د : مكنوناً .
( 4 ) - ألغضه : عمّى مراده به ولم يبيّنه .
( 5 ) - في د ، ب : بالولاية .
( 6 ) - غمّض عينَه : أطبق جَفْنيها .