كلمة العذاب على الكافرين .
على كل حال فإن ذلك يخص أولئك الذين قطعوا كل ارتباط لهم بالله سبحانه
وتعالى ، وأغلقوا عليهم منافذ الهداية بأجمعها ، وأوصلوا عنادهم وتكبرهم
وحماقتهم إلى الحد الأعلى ، نعم فهم لن يؤمنوا أبدا ، وليس لديهم أي طريق
للعودة ، لأنهم قد دمروا كل الجسور خلفهم .
في الحقيقة فإن الإنسان القابل للإصلاح والهداية هو ذلك الذي لم يلوث
فطرته التوحيدية تماما بأعماله القبيحة وأخلاقه المنحرفة ، وإلا فإن الظلمة
المطلقة ستتغلب على قلبه وتغلق عليه كل منافذ الأمل .
فاتضح أن المقصود هم تلك الأكثرية من الرؤوس المشركة الكافرة التي لم
تؤمن أبدا ، وكذلك كان ، فقد قتلوا في حروبهم ضد الإسلام وهم على حال الشرك
وعبادة الأوثان ، وما تبقى منهم ظل على ضلاله إلى آخر الأمر .
وإلا فإن أكثر مشركي العرب أسلموا بعد فتح مكة بمفاد قوله تعالى :
يدخلون في دين الله أفواجا . ( 1 )
ويشهد بذلك ما ورد في الآيات التالية التي تتحدث عن وجود سد أمام وخلف
هؤلاء وكونهم لا يبصرون . وأنه لا ينفع معهم الإنذار أو عدمه ( 2 ) .
الآية التي بعدها تواصل وصف تلك الفئة المعاندة ، فتقول : إنا جعلنا في
أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون أي مرفوعي الرأس لوجود
الغل حول الأعناق .
" أغلال " جمع " غل " : من مادة " غلل " ويعني تدرع الشئ وتوسطه ، ومنه
الغلل ( على وزن عمل ) للماء الجاري بين الشجر . و " الغل " الحلقة حول العنق أو
هامش
1 - سورة النصر ، الآية 2 .
2 - بناء على ما عرضناه يتضح بأن الضمير في " أكثرهم " يعود على قادة القوم وليس على القوم ، وشاهد ذلك
الآيات التالية لتلك الآية .