تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
وتتضح من هذه الآية إحدى حكم المصائب والابتلاءات والآلام التي تعتبر من المسائل الملحة والمثيرة للجدل في بحث التوحيد ومعرفة الله وعدله . وليس في هذه الآية فحسب ، بل أشير في آيات أخرى من القرآن إلى هذه الحقيقة ، ومن جملتها في الآية ( 94 ) من سورة الأعراف وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون . ولما لم تنفع أية وسيلة من وسائل التوعية والتنبيه ، حتى العذاب الإلهي ، لم يبق طريق إلا انتقام الله من هؤلاء القوم الذين هم أظلم الناس ، وكذلك تقول الآية التالية : ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون . فلم تؤثر فيهم النعمة الإلهية ، ولا العذاب والابتلاءات التحذيرية ، وعلى هذا فلا أحد أظلم منهم ، وإذا لم ينتقم من هؤلاء فممن الانتقام ؟ من الواضح - وبملاحظة الآيات السابقة - أن المراد من " المجرمين " هنا هم منكرو المبدأ والمعاد الذين لا إيمان لهم . وقد وصف جماعة من الناس في آيات القرآن مرارا بأنهم ( أظلم ) من الباقين ، وبالرغم من تعبيراتها المختلفة إلا أنها تعود جميعا إلى أصل الكفر والشرك ، وبناء على هذا فإن معنى ( أظلم ) الذي يعتبر صيغة تفضيل يتطابق مع هذه المصاديق . والتعبير ب‍ ( ثم ) في الآية ، والذي يدل عادة على التراخي ، لعله إشارة إلى أن أمثال هؤلاء يعطون فرصة ومجالا كافيا للتفكير والبحث ، ولا تكون معاصيهم الابتدائية سببا لانتقام الله أبدا ، إلا أنهم سيستحقون انتقام الله عز وجل بعد انتهاء الفرصة اللازمة . ويجب الالتفات إلى أن التعبير ب‍ " الانتقام " يعني العقوبة في لسان العرب ، ومع أن معنى الكلمة أصبح في المحادثات اليومية يعني تشفي القلب وإبراد الغليل من العدو ، إلا أن هذا المعنى لا وجود له في الأصل اللغوي ، ولذلك فإن هذا التعبير قد
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل — صفحة 134 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي