أيّها الناس ! أنا فلان الجشمي ، وقد أتاكم هؤلاء القوم ، فإن أتوكم خائفين ، لقد أتوكم من المكان الّذي يأمنُ فيه الطير والوحش والسباع ، « 1 » وإن أتوكم للطّلب بدم عثمان ، فغيرنا وليَ قتله ، فأطيعوني أيّها الناس ! ورُدّوهم من حيث أقبلوا ، فإنّكم إن لم تفعلوا لم تسلموا من الحرب الضروس والفتنة الصَمّاء « 2 » الّتي لاتُبقي ولا تذر فحصبه ناس من أهل البصرة فأمسك .
وقال : اجتمع أهل البصرة إلى المِربَدِ حتّى ملاوه مشاةً وركباناً ، فقام طلحة فأشار إلى الناس بالسكوت ليخطب فسكتوا بعد جهد فقال :
أمّا بعد ، فإن عثمان بن عفّان كان من أهل السابقة والفضيلة ومن المهاجرين الاوَّلين الّذين رضي اللّه عنهم ورضوا عنه ، ونزل القرآن ناطقاً بفضلهم ، وأحد أئمّة المسلمين الوالين عليكم بعد أبي بكر وعمر صاحبي رسول اللّه ( ص ) وقد كان أحدث أحداثاً نقمناها عليه فأتيناه فاستعتبناه فأعتبنا ، فعدا عليه امرؤٌ ابتزّ هذه الامّة أمرها غصباً بغير رضاً منها ولا مشورة ، فقتله « 3 » وساعده على ذلك قوم غير أتقياء ولا أبرار فقتل محرماً بريئاً تائباً ، وقد جئناكم أيّها الناس ! نطلب بدم عثمان وندعوكم إلى الطلب بدمه ، فإن نحن أمكننا اللّه من قتلته قتلناهم به ، وجعلنا هذا الامر شورى بين المسلمين ، وكانت خلافةً رحمةً للُامّة جميعاً فإنَّ كلَّ من أخذ الامر من غير رضاً من العامّة ولا مشورة منها ابتزازاً كان ملكه عضوضاً وحدثاً كبيراً . « 4 »
ثمَّ قام الزبير فتكلّم بمثل كلام طلحة ، فقام إليهما ناس من أهل البصرة فقالوا لهما : ألم تبايعا عليّاً في من بايعه ، ففيم بايعتما ثمَّ نكثتما ؟
هامش
( 1 ) . يقصد به مكّة .
( 2 ) . ( ( حرب ضروس ) ) : أكول ، عضوض . و ( ( الفتنة الصماء ) ) هي التي لا سبيل إلى تسكينها . ( لسان العرب ) .
( 3 ) . يقصد به علي بن أبي طالب .
( 4 ) . ملك عضوض : شديد فيه عنف ، وعنف للرعية كأنهم يعضون فيه عضاً ( لسان العرب ) .