الأولى : أنّ العامة لا يحتمل فيهم الحياد والإنصاف في بيان الحقائق في هذا المقام فكيف يعوّل عليهم ؟ الثانية : أنّ آراء العامّة حول مقالات الشيعة ناشئة عن عدم الفهم لحقيقة معارف الشيعة في جملة من مسائل وأبواب المعارف . فمثلًا مقالة الشيعة ولا سيّما الإمامية في أنّ أئمة أهل البيت عليهم السلام لهم علم لدنّي وحبل ونافذة ينفتحون بها على الملكوت والسماء - كما هو الحال في طالوت وذي القرنين والخضر ومريم ، مع أنّ هذه القناة ليست بنبوّة ولكنّها ارتباط لدنّي - تنطبع عند العامة أنّه قول بالنبوّة والوحي النبوي ويطعنون بذلك عليهم . مع أنّ السور القرآنية غير واضحة لديهم في نماذج الحجج التي استعرضها القرآن الكريم وأنواع المناصب الإلهية التي بيّنها وأنّها لا تنحصر في النبوّة والرسالة ، بل تشمل الإمامة والاصطفاء والحجّية وغيرها من المقامات .
مثال آخر : وراثة روح القدس التي أوحاه اللَّه إلى نبيّه كما في قوله تعالى :
« وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ »
« 1 »
.
مع أنّ هذا الروح الأمري والذي هو روح القدس هو الذي أيّد اللَّه به عيسى ويصرّح القرآن الكريم بتوريثه وانتقاله إلى من يشاء من عباده كما في قوله تعالى :
« يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ »
« 2 » وكذا أشير إليه في ذيل آية الشورى السابقة :
« وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا » .
وهذا الروح الذي هو من عالم الأمر والذي هو الكتاب قد ورّثه اللَّه الذين اصطفاهم من هذه الأمة وهم أهل البيت عليهم السلام كما قال تعالى :
« ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا »
« 3 »
.
هامش
( 1 ) . الشورى : 59 .
( 2 ) . غافر : 15 .
( 3 ) . فاطر : 33 .