( 1 ) بالمدينة لزم مالك بيته . فلم يخرج منه حتى قتل محمد .
قال : أخبرنا محمد بن عمر . قال : سمعت مالك بن أنس يقول : لما حج أبو جعفر المنصور دعاني . فدخلت عليه فحادثته . وسألني فأجبته . فقال : إني قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي وضعتها - يعني الموطأ - فتنسخ نسخا . ثم ابعث إلى كل مصر من أمصار المسلمين منها بنسخة . وآمرهم أن يعلموا بما فيها لا يتعدوه إلى غيره . ويدعوا ما سوى ذلك من هذا العلم المحدث . فإني رأيت أصل العلم رواية المدينة وعلمهم . قال فقلت : يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا . فإن الناس قد سبقت إليهم أقاويل . وسمعوا أحاديث . ورووا روايات . وأخذ كل قوم بما سبق إليهم .
وعلموا به . ودانوا به من اختلاف الناس وغيرهم . وإن ردهم عما قد اعتقدوه شديد .
فدع الناس وما هم عليه . وما اختار كل أهل بلد منهم لأنفسهم فقال : لعمري لو طاوعتني على ذلك لأمرت به .
قال : أخبرنا محمد بن عمر . قال : لما دعي مالك بن أنس وشوور وسمع منه وقبل قوله . شنف الناس له وحسدوه وبغوه بكل شيء . فلما ولي جعفر بن سليمان على المدينة سعوا به إليه . وكثروا عليه عنده . وقالوا لا يرى أيمان بيعتكم هذه بشيء .
وهو يأخذ بحديث رواه عن ثابت الأحنف . في طلاق المكره أنه لا يجوز . فغضب جعفر بن سليمان . فدعا بمالك . فاحتج عليه بما رقى إليه عنه . ثم جرده ومده وضربه بالسياط . ومدت يده حتى انخلع كتفاه وارتكب منه أمر عظيم . فوالله ما زال بعد ذلك الضرب في رفعه عند الناس وعلو من أمره وإعظام الناس له . وكأنما كانت تلك السياط التي ضربها حليا حلى بها .
قال : وكان مالك يأتي المسجد ويشهد الصلوات والجمعة والجنائز ويعود المرضى . ويقضي الحقوق . ويجلس في المسجد . ويحتج إليه أصحابه . ثم ترك الجلوس في المسجد . وكان يصلي ثم ينصرف إلى منزله وترك شهود الجنائز . فكان يأتي أصحابها فيغريهم ثم ترك ذلك كله فلم يكن يشهد الصلوات في المسجد ولا الجمعة . ولا يأتي أحدا يعزيه ولا يقضي له حقا . واحتمل الناس ذلك كله له . وكانوا أرغب ما كانوا فيه وأشده له تعظيما حتى مات على ذلك . وكان ربما كلم في ذلك فيقول : ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره .
قال : وكان مالك يجلس في منزله على ضجاع له ونمارق مطرحة يمنه ويسره
الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 468
مساهمون: ابن سعد
ص٤٦٨