تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
الملائكة كلهم سجداً فتحسب الجن أن أمراً يقضي فتسترق فإذا عن قلوب الملائكة عليهم السلام ورفعوا لأرؤوسهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قالوا جميعاً : الحق وهو العلي الكبير " وجاء في خبر أخرجه ابن أبي شيبة . وعبد بن حميد . وابن المنذر عن إبراهيم التيمي : " إذا أراد ذو العرش أمراً سمعت الملائكة كجر السلسلة على الصفا فيغشى عليهم فإذا قاموا قالوا : ماذا قال ربكم ؟ قال من شاء الله : الحق وهو العلي الكبير " ولعله بعد هذا الجواب يذكر الأمر بخصوصه فيما بين الملائكة عليهم السلام ، وظاهر ما جاء في بعض الروايات عن ابن عباس من تفسير الملأ الأعلى بكتبة الملائكة عليهم السلام أيضاً أن الاستراق من ملائكة في السماء إذ الظاهر أن الكتبة في السماء ، ولعله يتلى عليهم من اللوح ما يتلى فيكتبونه لأمر ما فتطمع الشياطين باستراق شيء منه ، وأمر البعد كأمر الهواء لا يضر في ذلك على الأصول الأشعرية ، ويمكن أن يدعى أن جرم السماء لا يحجب الصوت وإن كثف ، وكم خاصية أثبتها الفلاسفة للافلاك ليس عدم الحجب أغرب منها . ومنها أنه يغني عن الحفظ من استراق الشياطين عدم تمكينهم من الصعود إلى حيث يسترق السمع ، أو أمر الملائكة عليهم السلام بإخفاء كلامهم بحيث لا يسمعونه ، أو جعل لغتهم مخالفة للغتهم بحيث لا يفهمون كلامهم . وأجيب بأن وقوع الأمر على ما وقع من باب الابتلاء ، وفيه أيضاً من الحكم ما فيه ، ولا يخفى أن مثل هذا الاشكال يجري في أشياء كثيرة إلا أن كون الصانع حكيماً وأنه جل شأنه قد راعى الحكمة فيما خلق وأمر على أتم وجه حتى قيل : ليس في الإمكان أبدع مما كان يحل ذلك ولا يبقى معه سوى تطلب وجه الحكمة وهو مما يتفضل الله تعالى به على من يشاء من عباده ، والكلام في هذا المقام قد مر شيء منه فارجع إليه ، ومما هنا وما هناك يحصل ما يسر الناظرين ويرضي العلماء المحققين . * ( فاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَآ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ ) * . * ( فَاسْتَفْتهمْ ) * أي فاستخبرهم ، وأصل الاستفتاء الاستخبار عن أمر حدث ، ومنه الفتى لحداثة سنه ، والضمير لمشركي مكة ، قيل : والآية نزلت في أبي الأشد بن كلدة الجمحي وكني بذلك لشدة بطشه وقوته واسمه أسيد ، والفاء فصيحة أي إذا كان لنا من المخلوقات ما سمعت أو إذا عرفت ما مر فاستخبر مشركي مكة واسألهم على سبيل التبكيت * ( أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً ) * أي أقوى خلقة وأمتن بنية أو أصعب خلقاً وأشق إيجاداً * ( أَم مَّنْ خَلَقْنَا ) * من الملائكة والسماوات والأرض وما بينهما والمشارق والكواكب والشياطين والشهب الثواقب ، وتعريف الموصول عهدي أشير به إلى ما تقدم صراحة ودلالة وغلب العقلاء على غيرهم والاستفهام تقريري ، وجوز أن يكون انكارياً ، وفي مصحف عبد الله * ( أم من عددنا ) * وهو مؤيد لدعوى العهد بل قاطع بها . وقرأ الأعمش * ( أمن ) * بتخفيف الميم دون أم جعله استفهاماً ثانياً تقريرياً فمن مبتدأ خبره محذوف أي أمن خلقنا أشد * ( إنَّا خَلَقْنَاهُمْ منْ طين لاَزب ) * أي ملتصق كما أخرج ذلك ابن جرير . وجماعة عن ابن عباس ، وفي رواية أخرى بلفظ ملتزق وبه أجاب ابن الأزرق وأنشد له قول النابغة : فلا تحسبون الخير لا شر بعده * ولا تحسبون الشر ضربة لازب قيل : والمراد ملتزق بعضه ببعض ، وبذلك فسره ابن مسعود كما أخرجه ابن أبي حاتم ويرجع إلى حسن العجن جيد التخمير ، وأخرج ابن المنذر . وغيره عن قتادة أنه يلزق باليد إذا مس بهاد وقال الطبري : خلق آدم من تراب وماء وهواء ونار وهذا كله إذا خلط صار طيناً لازباً يلزم ما جاوره ، واللازب عليه بمعنى اللازم وهو قريب مما تقدم ، وقد قرىء * ( لازم ) * بالميم بدل الباء و * ( لاتب ) * بالتاء بدل الزاي والمعنى واحد . وحكي في