تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
والمؤمنين لما أنهم أيضاً كانوا يتلون عليهم الآيات الدالة عليه والآمرة بالإيمان به وكأنه لم يعتبر كونه شراً لهم ولذا عبروا بالوعد دون الوعيد ، وقيل : إن ذاك لأنهم زعموا إن لهم الحسنى عند الله تعالى إن تحقق البعث بناء على أن الآية في غير المعطلة . * ( مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ) * . * ( مَا يَنْظُرُونَ ) * جواب من جهته تعالى أي ما ينتظرون * ( إلاَّ صَيْحَةً ) * عظيمة * ( وَاحدَةً ) * وهي النفخة الأولى في الصور التي يموت بها أهل الأرض . وعبر بالانتظار نظراً إلى ظاهر قوللهم دمتى هذا الوعد ) * أو لأن الصيحة لما كانت لا بد من وقوعها جعلوا كأنهم منتظروها * ( تَأْخُذُهُمْ ) * تقهرهم وتستولي عليهم فيهلكون * ( وَهُمْ يَخصِّمُونَ ) * أي يتخاصمون ويتنازعون في معاملاتهم ومتاجرهم لا يخطر ببالهم شيء من مخايلها كقوله تعالى : * ( فاخدتهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون ) * فلا يغتروا بعدم ظهور علائمها حسبما يريدون ولا يزعمون أنها لا تأتي ، وأخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال : " لينفخن في الصور والناس في طرفهم وأسواقهم ومجالسهم حتى أن الثوب ليكون بين الرجلين يتساومان فما يرسله أحدهما من يده حتى ينفح في الصور فيصعق به " وهي التي قال الله تعالى * ( ما ينظرون ءلا صيحة واحدة ) * الخ ، وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ولتومن الساعة والرجل يليط حوضه فلا يسقي منه ولتقو من الساعة وقد انصرف الرجل بلبن نعجته فلا يطعمه ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فمه فلا يطعمها " وأصل يخصمون يختتصمون وبه قرأ أبي فسكنت التاء وأدغمت في الصاد بعد قلبها صادا ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين ، وجوز أن يكون الكسر لاتباع حركة الصاد الثانية والساكن لا يضر حاجزاً . وقرأ الحرميان . وأبو عمرو . والأعرج . وشبل . وابن قسطنين بادغام التاء في الصاد ونقل حركتها وهي الفتحة إلى الخاء ، وأبو عمرو أيضاً . وقالوا بخلف باختلاس حركة الخاء وتشديد الصاد ، وعنهما إسكان الخاء وتخفيف الصاد من خصمه إذا جادله ، والمفعول عليها محذوف أي يخصم بعضهم بعضاً ، وقيل يخصمون مجادلتهم عن أنفسهم ، وبعضهم يكسر ياء المضارعة إتباعاً لكسرة الخاء وشد الصاد ، وكسر ياء المضارعة لغة حكاها سيبويه عن الخليل في مواضع ، وعن نافع أنه قرى بفتح الياء وسكون الخاء وتشديد الصاد المكسورة ، وفيها الجمع بين الساكنين على حده المعروف ، وكأنه يجوز الجمع بينهما إذا كان الثاني مدغماً كان الأول حرف مد أيضاً أم لا ، وهذا ما اخترناه في نقل القراءات تبعاً لبعض الأجلة والرواة في ذلك مختلفون . * ( فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلاَ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ) * . * ( فَلاَ يَسْتَطيعُونَ تَوْصيَةً ) * في شيء من أمورهم إذا كانوا فيما بين أهليهم ، ونصب * ( توصية ) * على أنه مفعول به ليستطيعون ، وجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً لمقدر * ( وَلاَ إلَى أَهْلهمْ يَرْجعُونَ ) * إذا كانوا في خارج أبوابهم بل تبغتهم الصيحة فيموتون حيثما كانوا ويرجعون إلى الله عز وجل لا إلى غيره سبحانه . وقرأ ابن محيصن * ( يرجعون ) * بالبناء للمفعول والضمائر للقائلين * ( متى هذا الوعد ) * ( يسن : 48 ) لا من حيث أعيانهم أعني أهل مكة الذين كانوا وقت النزول بل لمنكري البعث مطلقاً . * ( وَنُفِخَ فِى الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الاَْجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ) * . * ( وَنُفخَ في الصُّور ) * هي النفخة الثانية بينها وبين الأولى أربعون أي ينفح فيه ، وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع . وقرأ الأعرج * ( الصور ) * بفتح الواو وقد مر الكلام في ذلك * ( فإذَا هُمْ من الأَجْدَاث ) * أي القبور جمع