رأوه ثم ينادي مناد يا أهل النار فيشرئبون وينظرون فيقول : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون نعم : هذا الموت وكلهم قد رأوه فيذبح بين الجنة والنار ثم يقول : يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت ثم قرأ وأنذرهم " الآية .
وفي رواية عن ابن مسعود أن يوم الحسرة حين يرى الكفار مقاعدهم من الجنة لو كانوا مؤمنين ، وقيل : حين يقال لهم وهم في النار * ( إخسؤا فيها ولا تكلمون ) * ( المؤمنون : 108 ) وقيل : حين يقال * ( امتازوا اليوم أيها المجرمون ) * ( يس : 59 ) .
وقال الضحاك : ذلك إذا برزت جهنم ورمت بالشرر ، وقيل : المراد بذلك يوم القيامة مطلقاً ، وروي ذلك عن ابن زيد وفيه حسرات في مواطن عديدة ، ومن هنا قيل : المراد بالحسرة جنسها فيشمل ذلك حسرتهم فيما ذكر وحسرتهم عند أخذ الكتب بالشمائل وغير ذلك والمراد بقضاء الأمر الفراغ من أمر الدنيا بالكلية ويعتبر وقت ذلك ممتداً ، وقيل : المراد بيوم الحسرة يوم القيامة كما روي عن ابن زيد إلا أن المراد بقضاء الأمر الفراغ مما يوجب الحسرة ، وجوز ابن عطية أن يراد بيوم الحسرة ما يعم يوم الموت .
وأنت تعلم أن ظاهر الحديث السابق وكذا غيره كما لا يخفى على المتتبع قاض بأن يوم الحسرة يوم يذبح الموت وينادي بالخلود . ولعل التخصيص لما أن الحسرة يومئذٍ أعظم الحسرات لأنه هناك تنقطع الآمال وينسد باب الخلاص من الأهوال . ومن غريب ما قيل : إن المراد بقضاء الأمر سد باب التوبة حين تطلع الشمس من مغربها وليس بشيء ، و * ( إذ ) * على سائر الأقوال بدل من * ( يوم ) * أو متعلق بالحسرة والمصدر المعرف يعمل بالمفعول الصريح عند بعضهم فكيف بالظرف ، وقوله تعالى : * ( وَهُمْ في غَفْلَة وَهُمْ لاَ يُؤْمنُونَ ) * قال الزمخشري : متعلق بقوله تعالى شأنه : * ( في ضلال مبين ) * عن الحسن ، ووجه ذلك بأن الجملتين في موضع الحال من الضمير المستتر في الجار والمجرور أي مستقرون في ذلك وهم في تينك الحالتين ، واستظهر في الكشف العطف على قوله تعالى : * ( الظالمون في ضلال مبين ) * ( مريم : 38 ) أي هم في ضلال وهم في غفلة ؛ وعلى الوجهين تكون جملة * ( أنذرهم ) * معترضة والواو اعتراضية ، ووجه الاعتراض أن الإنذار مؤكد ما هم فيه من الغفلة والضلال ، وجوز أن يكون ذلك متعلقاً بأنذرهم على أنه حال من المفعول أي أنذرهم غافلين غير مؤمنين . وتعقب بأنه لا يلائم قوله تعالى : * ( إنما أنت منذر من يخشاها ) * ( النازعات : 45 ) وقال في " الكشف " : أنه غير وارد لأن ذلك بالنسبة إلى النفع وهذا بالنسبة إلى تنبيه الغافل لبيان أن النفع في الآخرة وهذه وظيفة الأنبياء عليهم السلام عن آخرهم ، ثم لو سلم لا مناقضة كما في قوله تعالى : * ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) * ( الذاريات : 55 ) كيف وقد تكرر هذا المعنى في القرآن إلى قوله تعالى : * ( لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون ) * ( يس : 6 ) وأما إن قوله سبحانه : * ( وهم لا يؤمنون ) * نفي مؤكد يشتمل على الماضية والآتية فلا يسلم لو جعل حالاً ولو سلم فقد علم جوابه مما سبق وما على الرسول إلا البلاغ .
نعم لا نمنع أن الوجه الأول أرجح وأشد طباقاً للمقام ، وحاصل المعنى على الأخير أنذرهم لأنهم في حالة يحتاجون فيها للإنذار .
* ( إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ) *
* ( إنَّا نَحْنُ نَرثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ) * لا يبقى لأحد غيره تعالى ملك ولا ملك فيكون كل ذلك له تعالى استقلالاً ظاهراً وباطناً دون ما سواه وينتقل إليه سبحانه انتقال الموروث من المورث إلى الوارث ، وهذا كقوله تعالى : * ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) * ( غافر : 16 ) أو نتوفى الأرض ومن عليها
تفسير الآلوسي — صفحة 94
مساهمون: الآلوسي
ص٩٤