تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
* ( قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى ) * * ( قَالَ ) * أي فرعون للسحرة * ( آمَنْتُمْ لَهُ ) * أي لموسى كما هو الظاهر . والإيمان في الأصل متعد بنفسه ثم شاع تعديه بالباء لما فيه من التصديق حتى صار حقيقة . وإنما عدى هنا باللام لتضمينه معنى الانقياد وهو يعدي بها يقال . انقاد له لا الاتباع كما قيل : لأنه متعد بنفسه يقال : اتبعه ولا يقال : اتبع له ، وفي " البحر " إن آمن يوصل بالباء إذا كان متعلقه الله عز اسمه وباللام إن كان متعلقه غيره تعالى في الأكثر نحو * ( يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ) * . فما آمن لموسى الخ . * ( لن نؤمن لك ) * ( البقرة : 55 ) * ( وما أنت بمؤمن لنا ) * ( يوسف : 17 ) * ( فاء من له لوط ) * ( العنكبوت : 26 ) ، وجوز أن تكون اللام تعليلية والتقدير آمنتم بالله تعالى لأجل موسى وما شاهدتم منه ، واختاره بعضهم ولا تفكيك فيه كما توهم ، وقيل : يحتمل أن يكون ضمير * ( له ) * للرب عز وجل ، وفي الآية حينئذٍ تفكيك ظاهر . وقرأ الأكثر * ( أآمنتم ) * على الاستفهام التوبيخي . والتوبيخ هو المراد من الجملة على القراءة الأولى أيضاً لا فائدة الخبر أو لازمها * ( قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ) * أي من غير إذني لكم في الإيمان كما في قوله تعالى : * ( لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ) * لا أن إذنه لهم في ذلك واقع بعد أو متوقع ، وفرق الطبرسي بين الإذن والأمر بأن الأمر يدل على إرادة الآمر الفعل المأمور به وليس في الإذن ذلك * ( إنَّهُ ) * يعني موسى عليه السلام * ( لَكَبيرُكُمُ ) * لعظيمكم في فنكم وأعلمكم به وأستاذكم * ( الَّذي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ) * كأن اللعين وبخهم أولاً على إيمانهم له عليه السلام من غير إذنه لهم ليرى قومه أن إيمانهم غير معتد به حيث كان بغير إذنه . ثم استشعر أن يقولوا : أي حاجة إلى الإذن بعد أن صنعنا ما صنعنا وصدر منه عليه السلام ما صدر فأجاب عن ذلك بقوله : * ( إنه ) * الخ أي ذلك غير معتد به أيضاً لأنه أستاذكم في السحر فتواطأتم معه على ما وقع أو علمكم شيئاً دون شئ فلذلك غلبكم فالجملة تعليل لمحذوف ، وقيل : هي تعليل للمذكور قبل . وبالجملة قال ذلك لما اعتراه من الخوف من اقتداء الناس بالسحرة في الإيمان لموسى عليه السلام ثم أقبل عليهم بالوعيد المؤكد حيث قال : * ( فَلأُقَطِّعَنَّ ) * أي إذا كان الأمر كذلك فاقسم لأقطعن * ( أَيْديَكُمْ وَأَرْجُلَكمْ مِّنْ خلاَف ) * أي اليد اليمنى والرجل اليسرى وعليه عامة المفسرين وهو تخصيص من خارج وإلا فيحتمل أن يراد غير ذلك . و * ( من ) * ابتدائية . وقال الطبرسي : بمعنى عن أو على وليس بشيء . والمراد من الخلاف الجانب المخالف أو الجهة المخالفة . والجار والمجرور حسبما يظهر متعلق بأقطعن ، وقيل : متعلق بمحذوف وقع صفة مصدر محذوف أي تقطيعه مبتدأ من جانب مخالف أو من جهة مخالفة وابتداء التقطيع من ذلك ظاهر ، ويجوز أن يبقى الخلاف على حقيقته أعني المخالفة وجعله مبتدأ على التجوز فإنه عارض ما هو مبدأ حقيقة ، وجعل بعضهم الجار والمجرور في حيز النصب على الحالية ، والمراد لأقطعنها مختلفات فتأمل ، وتعيين هذه الكيفية قيل للإيذان بتحقيق الأمر وإيقاعه لا محالة بتعيين كيفيته المعهودة في باب السياسة . ولعل اختيارها فيها دون القطع من وفاق لأن فيه إهلاكاً وتفويتاً للمنفعة ، وزعم بعضهم أنها أفظع * ( وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ في جُذُوع النَّخْل ) * أي عليها . وإيثار كلمة في للدلالة على إبقائهم عليها زماناً مديداً تشبيهاً لاستمرارهم عليها باستقرار الظرف في المظروف المشتمل عليه . وعلى ذلك قوله : وهم صلبوا العبدي في جذع نخلة * فلا عطست شيبان إلا باجدعا