أن موسى عليه السلام كان يتوكأ على العصا والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتكل على فضل الله تعالى ورحمته قائلاً مع أمته وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ولذا ورد في حقه * ( حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين ) * ( الأنفال : 64 ) على معنى وحسب من اتبعك . وأيضاً إنه عليه السلام بدأ بمصالح نفسه في قوله : * ( أتوكأ عليها ) * ثم مصالح رعيته بقوله : * ( وأهش بها على غنمي ) * ( طه : 18 ) والنبي صلى الله عليه وسلم لم يشتغل إلا باصلاح أمر أمته اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون ، فلا جرم يقول موسى عليه السلام يوم القيامة . نفسي نفسي والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : " أمتي أمتي " انتهى ، وهو مأخوذ من كلام الإمام بل لا فرق إلا بيسير جداً . ولعمري أنه لا ينبغي أن يقتدي به في مثل هذا الكلام كما لا يخفى على ذوي الأفهام . وإنما نقلته لأنبه على عدم الاغترار به نعود بالله تعالى من الخذلان * ( رب اشرح لي صدري ) * ( طه : 25 ) لم يذكر عليه السلام بم يشرح صدره وفيه احتمالات .
قال بعض الناس : إنه تعالى ذكر عشرة أشياء ووصفها بالنور . الأول ذاته جل شأنه * ( الله نور السماوات والأرض ) * ( النور : 35 ) الثاني الرسول صلى الله عليه وسلم : * ( قد جاءكم من الله نور وكتاب ) * ( المائدة : 15 ) ، الثالث الكتاب * ( اتبعوا النور الذي أنزل معه ) * ( الأعراف : 157 ) ، الرابع الإيمان : * ( يريدون أن يطفئوا نور الله ) * ( التوبة : 32 ) الخامس عدل الله تعالى : * ( وأشرقت الأرض بنور ربها ) * ( الزمر : 69 ) السادس القمر * ( وجعل القمر نوراً ) * ( النوح : 16 ) السابع النهار * ( وجعل الظلمات والنور ) * ( الأنعام : 1 ) .
الثامن البينات * ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ) * . التاسع الأنبياء عليهم السلام " نور على نور " ؛ العاشر المعرفة " مثل نوره كمشكاة فيها مصباح " ( النور : 35 ) فكان موسى عليه السلام قال أولاً * ( رب اشرح لي صدري ) * ( طه : 25 ) بمعرفة أنوار جلال كبريائك ، وثانياً * ( رب اشرح لي صدري ) * بالتخلق بأخرق رسلك وأنبيائك ، وثالثاً * ( رب اشرح لي صدري ) * باتباع وحبيك وامتثال أمرك ونهيك ، ورابعاً * ( رب اشرح لي صدري ) * بنور الإيمان والايقان بالهيتك ، وخامساً * ( رب اشرح لي صدري ) * بالاطلاع على أسرار عدلك في قضائك وحكمك .
وسادسا * ( رب اشرح لي صدري ) * بالانتقال من نور شمسك وقمرك إلى أنوار جلال عزتك كما فعله إبراهيم عليه السلام ، وسابعا * ( رب اشرح لي صدري ) * من مطالعة نهارك وليلك إلى مطالعة نهار فضلك وليل قهرك ، وثامنا " رب اشرح لي صدري " بالاطلاع على مجامع آياتك ومعاقد بيناتك في أرضك وسمواتك ، وتاسعا * ( رب اشرح لي صدري ) * في أن أكون خلف صدق للأنبياء المتقدمين ومشابهاً لهم في الانقياد لحكم رب العالمين ، وعاشراً * ( رب اشرح لي صدري ) * بأن يجعل سراح الإيمان كالمشكاة التي فيها المصباح انتهى .
ولا يخفى ما بين أكثر ما ذكر من التلازم واغناء بعضه عن بعض ، وقال أيضاً : إن شرح الصدر عبارة عن إيقاد النور في القلب حتى يصير كالسراج ، ولا يخفى أن مستوقد السراج مجتاح إلى سبعة أشياء زند وحجر وحراق وكبريت ومسرجة وفتيلة ودهن ، فالزند زند المجاهدة * ( والذين جاهدوا وافينا ) * ( العنكبوت : 69 ) والحجر حجر التضرع * ( ادعوا ربكم تضرعاً وخفية ( الأعراف : 55 ) والحراق منع الهوى ونهى النفس عن الهوى والكبريت الإنابة * ( وأنيبوا إلى ربكم ) * ( الزمر : 54 ) والمسرحة الصبر * ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) * ( البقرة : 45 ) والفتيلة الشكر و * ( لئن شكرتم لأزيدنكم ) * ( إبراهيم 7 ) والدهن الرضا * ( واصبر لحكم ربك ) * ( الطور : 48 ) أي ارض بقضائه ، ثم إذا صلحت هذه الأدوات فلا تعول عليها بل ينبغي أن تطلب المقصود من حضرة ربك جل وعلا قائلاً : * ( رب اشرح لي صدري ) * فهنالك تسمع * ( قد أوتيت سؤلك يا موسى ) * ( طه : 36 ) ثم إن هذا النور الروحاني أفضل من الشمس الجسمانية لوجوه ، الأول أن الشمس يحجبها الغيم وشمس المعرفة لا تحجبها السماوات السبح " إليه يصعد الكلم الطيب " . الثاني الشمس تغيب
تفسير الآلوسي — صفحة 212
مساهمون: الآلوسي
ص٢١٢