أبشركم ثوابه إن آمنتم وتمحضتم في عبادته عز وجل ، وجوز كون * ( من ) * صلة النذير والضمير إما له تعالى أيضاً ، والمعنى حينئذ على ما قال أبو البقاء نذير من أجل عذابه وإما للكتاب على معنى إني لكن نذير من مخالفته وبشير لمن آمن به ، وقوله تعالى :
* ( وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ) *
* ( وَأَن اسْتَغْفرُوا رَبِّكُمْ ) * عطف على * ( أن لا تعبدوا إلا الله ) * سواء كان نهياً أو نفياً وفي * ( أن ) * الاحتمالان السابقان وقد علمت أن الحق أن * ( أن ) * المصدرية توصل بالأمر والنهي كما توصل بغيرهما ، وفي توسيط جملة * ( إني لكم ) * الخ بين المتعاطفين ما لا يخفى من الإشارة إلى علو شأن التوحيد ورفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد روعي في تقديم الانذار على التبشير ما روعي في الخطاب من تقديم النفي على الإثبات والتخلية على التحلية لتتجاوب الأطراف ، والتعرض لوصف الربوبية تلقين للمخاطبين وإرشاد لهم إلى طريق الابتهال في السؤال وترشيح لما يذكر من التمتيع وإيتاء الفضل ، وقوله سبحانه : * ( ثُمَّ تُوبُوا إلَيْه ) * عطف على * ( استغفروا ) * واختلف في توجيه توسيط * ( ثم ) * بينهما مع أن الاستغفار بمعنى التوبة في العرف فقال الجبائي : إن المراد بالاستغفار هنا التوبة عما وقع من الذنوب وبالتوبة الاستغفار عما يقع منها بعد وقوعه أي استغفروا ربكم من ذنوبكم التي فعلتموها ثم توبوا إليه من ذنوب تفعلونها ، فكلمة * ( ثم ) * على ظاهرها من التراخي في الزمان ، وقال الفراء : إن * ( ثم ) * بمعنى الواو كما في قوله : بهز كهز الرديني * جرى في الأنابيب ثم اضطرب
والعطف تفسيري ، وقيل : لا نسلم أن الاستغفار هو التوبة بل هو ترك المعصية والتوبة هي الرجوع إلى الطاعة ولئن سلم أنهما بمعنى - فثم - للتراخي في الرتبة ، والمراد بالتوبة الإخلاص فيها والاستمرار عليها وإلى هذا ذهب صاحب الفرائد . وقال بعض المحققين : الاستغفار هو التوبة إلا أن المراد بالتوبة في جانب المعطوف التوصل إلى المطلوب مجازاً من إطلاق السبب على المسبب ، و * ( ثم ) * على ظاهرها وهي قرينة على ذلك .
وأنت تعلم أن أصل معنى الاستغفار طلب الغفر أي الستر ومعنى التوبة الرجوع ، ويطلق الأول على طلب ستر الذنب من الله تعالى والعفو عنه والثاني على الندم عليه مع العزم على عدم العود فلا اتحاد بينهما بل ولا تلازم عقلاً ، لكن اشترط شرعاً لصحة ذلك الطلب وقبوله الندم على الذنب مع العزم على عدم العود إليه ، وجاء أيضاً استعمال الأول في الثاني ، والاحتياج إلى توجيه العطف على هذا ظاهر ، وأما على ذاك فلأن الظاهر أن المراد من الاستغفار المأمور به الاستغفار المسبوق بالتوبة بمعنى الندم فكأنه قيل : استغفروا ربكم بعد التوبة ثم توبوا إليه ولا شبهة في ظهور احتياجه إلى التوجيه حينئذ ، والقلب يميل فيه إلى حمل الأمر الثاني على الإخلاص في التوبة والاستمرار عليها ، والتراخي عليه يجوز أن يكون رتبيا وأن يكون زمانياً كما لا يخفى * ( يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً ) * مجزوم بالطلب ، ونصب * ( متاعاً ) * على أنه مفعول مطلق من غير لفظه كقوله تعالى : * ( أنبتكم من الأرض نباتاً ) * ويجوز أن يكون مفعولاً به على أنه اسم لما ينتفع به من منافع الدنيا من الأموال والبنين وغير ذلك ، والمعنى كما قيل يعشكم في أمن وراحة ، ولعل هذا لا ينافي كون الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ولا كون أشد الناس بلاء الأمثل فالأمثل لأن المراد بالأمن أمنه من غير الله تعالى * ( ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) * ( الطلاق : 3 ) وبالراحة طيب عيشه برجاء الله تعالى والتقريب إليه حتى يعد المحنة منحة :
تفسير الآلوسي — صفحة 207
مساهمون: الآلوسي
ص٢٠٧