تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
* ( عَلَى قُلُوب الْمُعْتَدينَ ) * أي المتجاوزين عن الحدود المعهودة في الكفر والعناد ونمنعها لذلك عن قبول الحق وسلوك سبيل الرشاد ، وقد جاء الطبع بمعنى الدنس ومنه طبع السيف لصدئه ودنسه ، وبعضهم حمل ما في الآية على ذلك ، وفسره المعتزلة حيث وقع منسوباً إليه تعالى بالخذلان تطبيقاً له على مذهبهم ، ومن هنا قال الزمخشري : إنه جار مجرى الكناية عن عنادهم ولجاجهم لأن من عاند وثبت على اللجاج خذله الله تعالى ومنعه التوفيق واللطف فلا يزال كذلك حتى يتراكم الرين والطبع على قلبه ، ومراده كما قيل أن * ( نطبع ) * بمعنى نخذل على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية لكن لما كان الطبع الذي هو الخذلان تابعاً لعنادهم ولجاجهم لازماً لهما أجرى مجرى الكناية عنهما . وقرئ * ( يطبع ) * بالياء على أن الضمير لله سبحانه وتعالى : * ( ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ ) * * ( ثُمَّ بَعَثْنَا ) * عطف على * ( ثم بعثنا من بعده رسلاً إلى قومهم ) * ( يونس : 74 ) عطف قصة على قصة * ( منْ بَعْدهمْ ) * أي من بعد أولئك الرسل عليهم السلام * ( مُوسَى وَهَارُونَ ) * أوثر التنصيص على بعثتهما عليهما السلام مع ضرب تفصيل إيذاناً بخطر شأن القصة وعظم وقعها * ( إلَى فرْعَوْنَ وَمَلاَئه ) * أي أشراف قومه الذين يجتمعون على رأي فيملأون العين رواء والنفوس جلالة وبهاء ، وتخصيصهم بالذكر لأصالتهم في إقامة المصالح والمهمات ومراجعة الكل إليهم في النوازل والملمات ، وقيل : المراد بهن هنا مطلق القوم من استعمال الخاص في العام * ( بآيَاتنَا ) * أي أدلتنا ومعجزاتنا وهي الآيات المفصلات في الأعراف والباء للملابسة أي متلبسين بها * ( فَاسْتَكْبَرُوا ) * أي تكبروا وأعجبوا بأنفسهم وتعظموا عن الاتباع ، والفاء فصيحة أي فأتياهم فبلغاهم الرسالة فاستكبروا ، وأشير بهذا الاستكبار إلى ما وقع منهم أول الأمر من قول اللعين لموسى عليه السلام : * ( ألم نُربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين ) * ( الشعراء : 18 ) وغير ذلك * ( وَكَانُوا قَوْماً مُّجْرمينَ ) * جملة معترضة تذييلية وجوز فيها الحالية بتقدير قد ، وعلى الوجهين تفيد اعتيادهم الاجرام وهو فعل الذنب العظيم ، أي وكانوا قوماً شأنهم ودأبهم ذلك . وقد يؤخذ مما ذكر تعليل استكبارهم ، والحمل على العطف الساذج لا يناسب البلاغة القرآنية ولا يلائمها فمعلوم هذا القدر من سوابق أوصافهم . * ( فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ) * * ( فَلمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ منْ عنْدنَا ) * الفاء فصيحة أيضاً معربة عما صرح به في مواضع أخر كأنه قيل : قال موسى : قد جئتكم ببينة من ربكم إلى قوله تعالى : * ( فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين ) * ( الأعراف : 107 - 108 ) فلما جاءهم الحق * ( قَالُواْ ) * من فرط عنادهم وعتوهم مع تناهي عجزهم : * ( إنَّ هَذَا لَسحْر مُّبينٌ ) * أي ظاهر كونه سحرا أو واضح في بابه فائق فيما بين أضرابه - فبين - من أبان بمعنى ظهر واتضح لا بمعنى أظهر وأوضح كما هو أحد معنييه ، والإشارة إلى الحق الذي جاءهم ، والمراد به كما قال غير واحد الآيات ، وقد أقيم مقام الضمير للإشارة إلى ظهور حقيته عند كل أحد ، ونسبة المجيء إليه على سبيل الاستعارة تشير أيضاً إلى غاية ظهوره وشدة سطوعه بحيث لا يخفى على من له أدنى مسكة ، ومن هنا قيل في المعنى : فلما جاءهم الحق من عندنا وعرفوه قالوا الخ ، فالاعتراض عليه بأنه لا دلالة في الكلام على هذه المعرفة وإنما تعلم من موضع آخر كقوله سبحانه : * ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ) * ( النمل : 14 ) من قلة المعرفة لظهور دلالة ما علمت ، وكذا ما قالوا بناء على ما قيل من دلالته على الاعتراف وتناهى العجز عليها ، وقرئ * ( لساحر ) *