تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
قيل ، وربما يقتصر على الأول لأنه الفرد الكامل مع أن الكلام في حق الكفار و * ( لو ) * قيل بمعنى أن وقيل على ظاهرها واستبعد ولا أراه بعيداً * ( مَا في الأَرْض ) * أي ما في الدنيا من خزائنها وأموالها ومنافعها قاطبة * ( لاَفْتَدَتْ به ) * أي لجعلته فدية لها من العذاب من افتداه بمعنى فداه فالمفعول محذوف أي لافتدت نفسها به . وجوز أن يكون افتدى لازماً على أنه مطاوع فدى المتعدي يقال فداه فافتدى ، وتعقب بأنه غير مناسب للسياق إذ المتبادر منه أن غيره فداه لأن معناه قبلت الفدية والقابل غير الفاعل ، ونظر فيه بأنه قد يتحد القابل والفاعل إذا فدى نفسه نعم المتبادر الأول * ( وَأَسَرُّوا ) * أي النفوس المدلول عليها بكل نفس ، والعدول إلى صيغة الجمع لإفادة تهويل الخطب بكون الإسرار بطريق المعية والاجتماع ، وإيثار صيغة جمع المذكر لحمل لفظ النفس على الشخص أو لتغليب ذكور مدلوله على إناثه ، والإسرار الإخفاء أي أخفوا * ( النَّدَامَةَ ) * أي الغم والأسف على ما فعلوا من الظلم ، والمراد إخفاء آثارها كالبكاء وعض اليد وإلا فهي من الأمور الباطنة التي لا تكون إلا سراً وذلك لشدة حيرتهم وبهتهم * ( لَمَّا رَأَوُاْ العَذَابَ ) * أي عند معاينتهم من فظاعة الحال وشدة الأهوال ما لم يمر لهم ببال ، فأشبه حالهم حال المقدم للصلب يثخنه ما دهمه من الخطب ويغلب حتى لا يستطيع التفوه ببنت شفة ويبقى جامداً مبهوتاً ، وقيل : المراد بالإسرار الإخلاص أي أخلصوا الندامة وذلك إما لأن إخفاءها إخلاصها وإما من قولهم : سر الشيء لخالصه الذي من شأنه أن يخفى ويصان ويضن به وفيه تهكم بهم : وقال أبو عبيدة . والجبائي : إن الأسرار هنا بمعنى الإظهار . وفي " الصحاح " أسررت الشيء كتمته وأعلنته أيضاً وهو من الأضداد ، والوجهان جميعاً يفسران في قوله تعالى : * ( وأسروا الندامة ) * وكذلك في قول امرئ القيس : لو يسرون مقتلي انتهى وفي " القاموس " أيضاً أسره كتمه وأظهره ضد ، وفيه اختلاف اللغويين فإن الأزهري منهم ادعى أن استعمال أسر بمعنى أظهر غلط وأن المستعمل بذلك المعنى هو أشر بالشين المعجمة لا غير . ولعله قد غلط في الغليط ، وعليه فالإظهار أيضاً باعتبار الآثار على ما لا يخفى . وجوز بعضهم أن يكون المراد بالإسرار الإخفاء إلا أن المراد من ضمير الجمع الرؤساء أي أخفى رؤساؤهم الندامة من سفلتهم الذين أضلوهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم ، وفيه أن ضمير * ( أسروا ) * عام لا قرينة على تخصيصه على أن هول الموقف أشد من أن يتفكر معه في أمثال ذلك ، وجملة * ( أسروا ) * مستأنفة على الظاهر وقيل : حال بتقدير قد ، و * ( لما ) * على سائر الأوجه بمعنى حين منصوب بأسروا ، وجوز أن يكون للشرط والجواب محذوف على الصحيح لدلالة ما تقدم عليه أي لما رأوا العذاب أسروا الندامة * ( وَقُضيَ ) * أي حكم وفصل * ( بَيْنَهُمْ ) * أي بين النفوس الظالمة * ( بالْقسْط ) * أي بالعدل * ( وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ) * أصلاً لأنه لا يفعل بهم إلا ما يقتضيه استعدادهم ، وقيل : ضمير * ( بينهم ) * للظالمين السابقين في قوله سبحانه : * ( ولو أن لكل نفس ظلمت ) * والمظلومين الذين ظلموهم وإن لم يجر لهم ذكر لكن الظلم يدل بمفهومه عليهم وتخصيص الظلم بالتعدي ، والمعنى وقعت الحكومة بين الظالمين والمظلومين وعومل كل منهما بما يليق به . وأنت تعلم أن المقام لا يساعد