تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
غفلته وليس في مفهوم الليل هذا المعنى ولم يشتهر شهرة النهار بالاشتغال بالمصالح والمعاش حتى يحسن الاكتفاء بدلالة الالتزام كما في النهار ، وقد يقال : النهار كله محل الغفلة لأنه إما زمان اشتغال بمعاش أو زمان قيلولة بخلاف الليل فإن محل الغفلة فيه ما قارب وسطه وهو وقت البيات فلذا خص بالذكر ، والبيات جاء بمعنى البيتوتة وبمعنى التبييت كالسلام بمعنى التسليم والمعنى المراد هنا مبني على هذا * ( مَاذَا يَسْتَعْجلُ مِنهُ الْمُجْرمُونَ ) * أي أي شيء يستعجلون من العذاب وليس شيء منه يوجب الاستعجال لما أن كله مكروه مر المذاق موجب للنفار ، فمن للتبعيض والضمير للعذاب والتنكير في شيء للفردية ، وجوز أن يكون المعنى على التعجب وهو مستفاد من المقام كأنه قيل : أي هول شديد يستعجلون منه ، فمن بيانية وتجريدية بناءً على عد الزمخشري لها منها ، وقيل : الضمير لله تعالى ، وعليه فالمعنى على الثاني ولكن تزول فائدة الإبهام والتفسير وما فيه من التفخيم . وما قيل : إنه أبلغ على معنى هل تعرفون ما العذاب المعذب به هو الله سبحانه فهو مشترك على التقديرين ألا ترى إلى قوله تعالى : * ( عذابه ) * ، و * ( ماذا ) * بمعنى أي شيء منصوب المحل مفعولاً مقدماً وهو أولى من جعله مبتدأ ، ومن فعل قدر العائد ، ومن قال : إن ضمير * ( منه ) * هو الرابط مع تفسيره بالعذاب جنح إلى أن المستعجل من العذاب فهو شامل للمبتدأ فيقوم مقام رابطه لأن عموم الخبر في الاسم الظاهر يكون رابطاً على المشهور ففي الضمير أولى . وزعم أبو البقاء أن الضمير عائد إلى المبتدأ وهو الرابط وجعل ذلك نظير قولك : زيد أخذت منه درهماً وليس بشيء كما لا يخفى ، والمراد من المجرمون المخاطبون ، وعدل عن الضمير إليه للدلالة على أنهم لجرمهم ينبغي أن يفزعوا من إتيان العذاب فضلاً عن أن يستعجلوه ، وقيل : النكتة في ذلك إظهاره تحقيرهم وذمهم بهذه الصفة الفظيعة ، والجملة متعلقة - بأرأيتم - على أنها استئناف بياني أو في محل نصب على المفعولية وعلق عنها الفعل للاستفهام ، وهو في الأصل استفهام عن الرؤية البصرية أو العلمية ثم استعمل بمعنى أخبروني لما بين الرؤية والإخبار من السببية والمسببية في الجملة فهو مجاز فيما ذكر وإليه ذهب الكثير ، وذهب أبو حيان إلى أن ذلك بطريق التضمين ولم يستعمل إلا في الأمر العجيب ، وجواب الشرط محذوف أي إن أتاكم عذابه في أحد ذينك الوقتين تندموا أو تعرفوا الخطأ أو فأخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون . وزعم أبو حيان تعين الأخير لأن الجواب إنما يقدر مما تقدمه لفظاً أو تقديراً ولم يدر أن تقديره من غير جنس المذكور إذا قامت قرينة عليه ليس بعزيز ، ولئن سلم صحة الحصر الذي ادعاه فما ذكر غير خارج عنه بناء على أن المقصود من * ( أرأيتم ) * * ( ماذا يستعجل منه ) * الخ تنديمهم أو تجهيلهم كما نص عليه بعض المحققين . وفي " الكشف " تقريراً لأحد الأوجه المذكورة في " الكشاف " أن * ( ماذا ) * الخ متعلق الاستخبار والشرط مع جوابه المحذوف مقرر لمضمون الاستخبار ولهذا وسط بينهما ، ولما كان في الاستفهام تجهيل وتنديم قدر الجواب تندموا أو تعرفوا الخطأ ، ولا مانع من تقديرهما معاً أو ما يفيد المعنيين ولهذا حذف الجواب ووسط تأكيداً على تأكيد انتهى . وجوز كون * ( ماذا يستعجل ) * جواباً للشرط كقولك : إن أتيتك ماذا تطعمني والمجموع بتمامه متعلق * ( بأرأيتم ) * ورد بأن جواب الشرط إذا كان استفهاماً فلا بد فيه من الفاء تقول إن زارنا فلان فأي رجل هو ولا تحذف إلا ضرورة ، وقد صرح في المفصل بأن الجملة إذا كانت إنشائية لا بد من الفاء معها ، والاستفهام وإن لم يرد به حقيقته لم يخرج عن الإنشائية ، والمثال مصنوع فلا يعول عليه .