وبعليته لإصابة ما أصابهم من سوء العاقبة وبدخول هؤلاء الذين حكى عنهم ما حكى في زمرتهم جرماً ووعيداً دخولاً أولياً ، والفاء لترتيب ما بعدها على محذوف ينساق إليه الكلام أي فأهلكناهم فانظر الخ ، وكيف في موضع نصب خبر كان ، وقد يتصرف فيها فتوضح موضع المصدر وهو كيفية ويخلع عنها معنى الاستفهام بالكلية ، وهي هنا تحتمل ذلك ، وكذا قول البخاري رضي الله تعالى عنه : - كيف كان بدء الوحي - كما قال السمين ؛ ونقل إنه أن فعل النظر معلق عن العمل لمكان كيف لأنهم عاملوها في كل موضع معاملة الاستفهام المحض .
* ( وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بالْمُفْسِدِينَ ) *
* ( وَمنْهُم مَّن يُؤْمنُ به ) * وصف لحالهم بعد اتيان التأويل المتوقع كما قبل إذ حينئذ يمكن تنويعهم إلى المؤمن به وغير المؤمن به ضرورة امتناع الإيمان بشيء من غير علم به واشتراك الكل في التكذيب قبل ذلك فالضمير للمكذبين ، ومعنى الإيمان به إما الاعتقاد بحقيته فقط أي منهم من يصدق به في نفسه أنه حق عند الإحاطة بعلمه وإتيان تأويله لكنه يعاند ويكابر وإما الإيمان الحقيقي أي منهم من سيؤمن به ويتوب عن الكفر * ( وَمنْهُم مَّن لاَّ يُؤْمنُ به ) * أي لا يصدق به في نفسه كما لا يصدق به ظاهراً لفرط غباوته المانعة عن الإحاطة بعلمه كما ينبغي أو لسخافة عقله واختلال تمييز وعجزه عن تخليص علومه عن معارضة الظنون والأوهام التي ألفها فيبقى على ما كان عليه من الشك أولاً يؤمن به فيما سيأتي بل يموت على كفره معانداً كان أو شاكاً * ( وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بالْمُفْسدينَ ) * أي بكلا الفريقين على الوجه الأول من التفسير لا بالمعاندين فقط لاشتراكهما في أصل الافساد المستدعي لاشتراكهما في الوعيد المراد من الكلام أو بالمصرين الباقين على الكفر على الوجه الثاني منه .
* ( وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرئٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ) *
* ( وَإن كَذَّبُوكَ ) * أي أصروا على تكذيبك بعد الزام الحجة ، وأول بذلك لأن أصل التكذيب حاصلاً فلا يصح فيه الاستقبال المفاد بالشرط ، وأيضاً جوابه وهو قوله سبحانه : * ( فَقُل لَّي عَمَلي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ) * المراد منه التبرؤ والتخلية إنما يناسب الاصرار على التكذيب واليأس من الإجابة ، والمعنى لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم كيفما كانا ، وتوحيد العمل المضاف إليهم باعتبار الاتحاد النوعي ولمراعاة كمال المقابلة كما قيل ، وقوله سبحانه : * ( أَنتُم بَريئُونَ مما أَعْمَلُ وَأَنَا بَريء ممّا تَعْمَلُونَ ) * تأكيد لما أفاده لام الاختصاص من عدم تعدي جزاء العمل إلى غير عامه أن لا تؤاخذون بعملي ولا أؤاخذ بعملكم ، وعلى هذا فالآية محكمة غير منسوخة بآية السيف لما أن مدلولها اختصاص كل بأفعاله وثمراتها من الثواب والعقاب وآية السيف لم ترفع ذلك ، وعن مقاتل . والكلبي . وابن زيد أنها منسوخة بها وكأن ذلك لما فهموا منها الأعراض وترك التعرض بشيء ، ولعل وجه تقديم حكم المتكلم أولاً وتأخيره ثانياً والعكس في حكم المخاطبين ظاهر مما ذكرناه في معنى الآية فافهم .
هذا ومن باب الإشارة في الآيات : * ( وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا ) * وهو احتجابهم عن قبول صفات الحق وذلك لأنه بتوفر النعم الظاهرة والمرادات الجسمانية يقوي ميل النفس إلى الجهة السفلية فتحتجب عن قبول ذلك كما أنه بأنواع البلاء تنكسر سورة النفس ويتلطف القلب ويحصل الميل إلى الجهة العلوية والتهيؤ لقبول ذلك * ( قل الله أسرع مكراً ) * بإخفاء القهر الحقيقي في هذا اللطف الصوري * ( إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ) * ( يونس : 21 ) في ألواح الملكوت * ( هو الذي يسيركم في البر والبحر ) * أي يسير نفوسكم في بر المجاهدات وقلوبكم في بحر المشاهدات ، وقيل : يسير عقولكم في بر الأفعال وأرواحكم في بحر الصفات والذات
تفسير الآلوسي — صفحة 122
مساهمون: الآلوسي
ص١٢٢