به فإن الإنسان ربما ينبه على مذهبه بالكتابة أو بالكناية مثلاً فإذا صرح به وذكره بلسانه كان ذلك الغاية في اختياره ، وادعى غير واحد أن جعل ذلك من باب التأكيد كما في قولك : رأيته بعيني وسمعته بأذني مثلاً مما يأباه المقام ، ولو كان المراد به التأكيد مع التعجيب من تصريحهم بتلك المقالة الفاسدة لا ينافيه المقام ولا تزاحم في النكات * ( يُشَاهؤونَ ) * أي يضاهي قولهم في الكفر والشناعة * ( قَوْلَ الَّذينَ كَفَرُوا ) * فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وصير مرفوعاً ، ويحتمل أن يكون من باب التجوز كما قيل في قوله تعالى : * ( وأن الله لا يهدي كيد الخائنين ) * ( يوسف : 52 ) لا يهديهم في كيدهم ، فالمراد يضاهئون في قولهم قول الذين كفروا * ( من قَبْلُ ) * أي من قبلهم وهم كما روي عن ابن عباس . ومجاهد . وقتادة واختاره الفراء المشركون الذين قالوا : الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى عما يقولون ، وقيل : المراد بهم قدماؤهم فالمضاهي من كان في زمنه عليه الصلاة والسلام منهم لقدمائهم وأسلافهم ، والمراد الإخبار بعراقتهم في الكفر .
وأنت تعلم أنه لا تعدد في القول حتى يتأتى التشبيه ، وجعله بين قولي الفريقين ليس فيه مزيد مزية ، وقيل : المراد بهم اليهود على أن الضمير للنصارى ، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر وإن أخرجه ابن المنذر . وغيره عن قتادة مع أن مضاهاتهم قد علمت من صدر الآية ، ويستدعي أيضاً اختصاص الرد والإبطال بقوله تعالى : * ( ذلك قولهم بأفواههم ) * بقول النصارى ، وقرأ الأكثر * ( يضاهون ) * بهاء مضمومة بعدها واو ، وقد جاء ضاهيت وضاهأت بمعنى من المضاهاة وهي المشابهة وبذلك فسرها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وعن الحسن تفسيرها بالموافقة وهما لغتان ، وقيل : الياء فرع عن الهمزة كما قالوا فريت وتوضيت ، وقيل : الهمزة بدل من الياء لضمها . ورد بأن الياء لا تثبت في مثله حتى تقلب بل تحذف كرامون من الرمي ، وقيل : إنه مأخوذ من قولهم : امرأة ضهيا بالقصر وهي التي لا ثدي لها أو لا تحيض أو لا تحمل لمشابهتها الرجال ، ويقال : ضهياء بالمد كحمراء وضهياءة بالمد وتاء التأنيث وشذ فيه الجمع بين علامتي التأنيث ، وتعقب بأنه خطأ لاختلاف المادتين فإن الهمزة في ضهياء على لغتها الثلاث زائدة وفي المضاهاة أصلية ولم يقولوا : إن همزة ضهياء وياؤها زائدة لأن فعيلاء لم يثبت في أبنيتهم ، ولم يقولوا وزنها فعلل كجعفر لأنه ثبت زيادة الهمزة في ضهياء بالمد فتتعين في اللغة الأخرى ، وفي هذا المقام كلام مفصل في محله . ومن الناس من جوز الوقف على * ( قولهم ) * وجعل * ( بأفواههم ) * متعلقاً بيضاهؤون ولا توقف في أنه ليس بشيء ، وفي الجملة ذم للذين كفروا على أبلغ وجه وإن لم تسق لذمهم * ( قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ) * دعاء عليهم بالإهلاك فإن من قاتل الله تعالى فمقتول ومن غالبه فمغلوب . وأخرج ابن جرير . وغيره عن ابن عباس أن المعنى لعنهم الله وهو معنى مجازي لقاتلهم ، ويجوز أن يكون المراد من هذه الكلمة التعجب من شناعة قولهم فقد شاعت في ذلك حتى صارت تستعمل في المدح فيقال : قاتله الله تعالى ما أفصحه .
وقيل : هي للدعاء والتعجب يفهم من السياق لأنها كلمة لا تقال إلا في موضع التعجب من شناعة فعل قوم أو قولهم ولا يخفى ما فيه مع أن تخصيصها بالشناعة شناعة أيضاً * ( أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) * أي كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل بعد وضوح الدليل وسطوع البرهان .
* ( اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ والْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَاهاً واحِداً لاَّ إِلَاهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * .
* ( لتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ ) * زيادة تقرير لما سلف من
تفسير الآلوسي — صفحة 83
مساهمون: الآلوسي
ص٨٣