تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
يتسن اجتماعهم فاندفع فسادهم انتهى ، والاحتجاج إليه على التفسير الأول أظهر منه على التفسير الثاني لأن الظاهر عليه أن القوم لم يكونوا منافقين ، ووجه العتاب على الاذن في قعودهم مع ما قص الله تعالى فيهم أنهم لو قعدوا بغير إذن منه عليه الصلاة والسلام لظهر نفاقهم فيما بين المسلمين من أول الأمر ولم يقدروا على مخالطتهم والسعي فيما بينهم بالأراجيف ولم يتسن لهم التمتع بالعيش إلى أن يظهر حالهم بقوارع الآيات النازلة * ( وَاللَّهُ عَليمٌ بالظَّالمين ) * علماً محيطاً بظواهرهم وبواطنهم وأفعالهم الماضية والمستقبلة فيجازيهم على ذلك ، ووضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالظلم والتشديد في الوعيد والاشعار بترتبه على الظلم ، ويجوز أن يراد بالظالمين الجنس ويدخل المذكورون دخولاً أولياً ، والمراد منهم إما القاعدون أو هم والسماعون . * ( لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ ) * . لَقَد ابْتَغُوُا الْفتْنَةَ ) * تشتيت شملك وتفرق أصحابك * ( منْ قَبْلُ ) * أي من قبل هذه الغزوة ، وذلك كما روي عن الحسن يوم أحد حين انصرف عبد الله بن أبي بن سلول بأصحابه المنافقين ، وقد تخلف بهم عن هذه الغزوة أياً بعد أن خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى قريب من ثنية الوداع ، وروي عن سعيد بن جبير ، وابن جريج . أن المراد بالفتنة الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة ، وذلك أنه اجتمع اثنا عشر رجلاً من المنافقين ووقفوا على الثنية ليفتكوا به عليه الصلاة والسلام فردهم الله تعالى خاسئين * ( وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ ) * أي المكايد تقليبها مجاز عن تدبيرها أو الآراء وهو مجاز عن تفتيشها ، أي دبروا لك المكايد والحيل أو دوروا الآراء في إبطال أمرك . وقرئ * ( وقلبوا ) * بالتخفيف * ( حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ ) * أي النصر والظفر الذي وعده الله تعالى * ( وَظَهَرَ أَمْرُ الله ) * أي غلب دينه وعلا شرعه سبحانه * ( وَهُمْ كَارهُونَ ) * أي في حال كراهتهم لذلك أي على رغم منهم ، والاتيان كما قالوا لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن تخلف المتخلفين وبيان ما ثبطهم الله تعالى لأجله وهتك أستارهم وإزاهة أعذارهن تداركا لما عسى يفوت بالمبادرة إلى الاذن وإيذناً بأن ما فات بها ليس مما لا يمكن تلافيه تهويلاً للخطب . * ( وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالْكَافِرِينَ ) * . وَمنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَن لِّي ) * في القعود عن الجهاد * ( وَلاَ تَفْتنِّي ) * أي لا توقعني في الفتنة بنساء الروم . أخرج ابن المنذر . والطبراني . وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما " لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك قال لجد بن قيس : يا جد بن قيس ما تقول في مجاهدة بني الأصفر ؟ فقال : يا رسول الله إني امرأ صاحب نساء ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن فائذن لي ولا تفتني فنزلت ، وروي نحوه عن عائشة . وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما ، أولا توقعني في المعصية والاثم بمخالفة أمرك في الخروج إلى الجهاد ، وروي هذا عن الحسن . وقتادة . واختاره الجبائي ، وفي الكلام على هذا إشعار بأنه لا محالة متخلف أذن له صلى الله عليه وسلم أو لم يأذن . وفسر بعضهم الفتنة بالضرر أي لا توقعني في ذلك فاني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي لعدم من يقوم بمصالحهم ، وقال أبو مسلم : أي لا تعذبني بتكليف الخروج في شدة الحر ، وقرئ * ( ولا تفتني ) * من أفتنه بمعنى فتنة * ( أَلاَ في الْفتنَة ) * أي في نفسها وعينها وأكمل أفرادها الغنى عن الوصف بالكمال الحقيق باختصاص اسم الجنس به * ( سَقَطُواْ ) * لا في شيء مغاير لها فضلاً عن أن يكون مهرباً ومخلصاً عنها ، وذلك بما فعلوا من العزيمة على التخلف والجراءة على هذا الاستئذان والقعود بالإذن المبني عليه وعلى الاعتذارات الكاذبة ، وفي