تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الآلوسي — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت نيته الدنيا فرق الله تعالى عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له " وجوز أن يقدر الجزاء من جنس الخسران فيقال : من كان يريد ثواب الدنيا فقط فقد خسر وهلك ، فعند الله تعالى ثواب الدنيا والآخرة له إن أراده ، وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد فأُتي به فعرفه نعمه فعرفها قال : فما عملت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت قال : كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال : جرىء فقد قيل : ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأُتي به فعرفه نعمه فعرفها قال : فما فعلت فيها ؟ قال : تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن قال : كذبت ولكنك تعلمت ليقال : عالم وقرأت ليقال : هو قارىء فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ، ورجل وسع الله تعالى عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأُتي به فعرفه نعمه فعرفها قال : فما عملت فيها ؟ قال : ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها ، قال : كذبت ولكنك فعلت ليقال : هو جواد فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى في النار " ، وقيل : إنه الجزاء إلا أنه مؤل بما يجعله مرتباً على الشرط لأن مآله أنه ملوم موبخ لتركه الأهم الأعلى الجامع لما أراده مع زيادة لكن من يشترط العائد في الجزاء يقدره كما أشرنا إليه ، وقيل : المراد أنه تعالى عنده ثواب الدارين فيعطي كلاً ما يريده كقوله تعالى : * ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ) * ( الشورى : 20 ) الآية . * ( وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصيراً ) * تذييل لمعنى التوبيخ أي كيف يرائي المرائي وأن الله تعالى سميع بما يهجس في خاطره وما تأمر به دواعيه بصير بأحواله كلها ظاهرها وباطنها فيجازيه على ذلك ، وقد يقال : ذيل بذلك لأن إرادة الثواب إما بالدعاء وإما بالسعي ، والأول : مسموع ، والثاني : مبصر ، وقيل : السمع والبصر عبارتان عن اطلاعه تعالى على غرض المريد للدنيا أو الآخرة وهو عبارة عن الجزاء ، ولا يخفى أنه وإن كان لا يخلو عن حسن إلا أنه يوهم إرجاع صفة السمع والبصر إلى العلم وهو خلاف المقرر في الكلام . . * ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للَّهِ وَلَوْ عَلَىأَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ والاَْقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) * . * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُواْ قَوَّامينَ بالْقسْط ) * أي مواظبين على العدل في جميع الأمور مجتهدين في ذلك كل الاجتهاد لا يصرفكم عنه صارف . وعن الراغب أنه سبحانه نبه بلفظ القوّامين على أن مراعاة العدالة مرة أو مرتين لا تكفي بل يجب أن تكون على الدوام ، فالأمور الدينية لا اعتبار بها ما لم تكن مستمرة دائمة ، ومن عدل مرة أو مرتين لا يكون في الحقيقة عادلاً أي لا ينبغي أن يطلق فيه ذلك * ( شُهَدَاءَ ) * بالحق * ( لله ) * بأن تقيموا شهاداتكم لوجه الله تعالى لا لغرض دنيوي ، وانتصاب * ( شهداء ) * على أنه خبر ثان لكونوا ولا يخفى ما في تقديم الخبر الأول من الحسن . وجوز أن يكون على أنه حال من الضمير المستكن فيه ، وأيد بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في معنى الآية : أي كونوا قوّالين بالحق في الشهادة على من كانت ولمن كانت من قريب وبعيد ، وقيل : إنه صفة * ( قوّامين ) * ، وقيل : إنه خبر * ( كونوا ) * وقوّامين حال * ( وَلَوْ عَلَى أنفُسكُمْ ) * أي ولو كانت الشهادة على أنفسكم ، وفسرت الشهادة ببيان الحق مجازاً فتشمل الإقرار المراد ههنا والشهادة بالمعنى الحقيقي المراد فيما بعد فلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز ، وقيل : الكلام خارج مخرج المبالغة وليس المقصود حقيقته فلا حاجة إلى القول بعموم المجاز ليشمل الإقرار حيث إن شهادة المرء على نفسه لم تعهد ، والجار - على ما أشير إليه -