استنتاجات وخلاصات
ينتهي زمن النصّ - في مدرسة أهل السنّة - عند وفاة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، فيما ينتهي العصر نفسه في مدرسة الإمامة عند الغيبة ( 328 أو 329 ه ) ، ومن الطبيعي أن يترك هذا الامتياز العقدي تأثيراته على مجمل الحياة الشيعية ، من هنا يلاحظ التنامي السريع للحاجة إلى ممارسات اجتهاديّة في مناخ أهل السنّة قياسا بالمناخ الشيعي .
لكنّ ما يبدو سليما هو أن الحياة العلميّة الشيعيّة كانت - وحتّى عصر النص - تمارس اجتهادا ما ، خصوصا في دوائر المعقول والكلاميات ، من هنا ظهرت أسماء كبيرة - أبرزها هشام بن الحكم - لتؤكّد هذه المقولة ، كما أنّ مجموعة من الشواهد التاريخية والتحليلات الأكثر منطقية أكّدت لنا أن ظاهرة الاجتهاد والنظر كانت موجودة عصر النصّ شيعيا ، بقطع النظر عن التصنيف ، فإنّ تأخّر ظهور بعض المصنّفات ليس دليلا دائما على تأخّر الممارسات العلمية التي تدور هذه التصنيفات حولها .
لكن رغم ظاهرة الاجتهاد والنظر هذه ، كانت حركة الاجتهاد في دوائر المنقول ضئيلة على صعيد التصنيف نسبة إلى دوائر المعقول والكلاميات ، ولهذا شاهدنا التركيز متناميا على ضبط النصوص وحفظها وتقويمها وما شابه ذلك .
ومن هذا الرحم بالذات ، ظهرت مدرسة النقل والحديث في قم والري عقب بداية الغيبة الصغرى ( 260 ه ) ، ولاحظنا اقتصار هذه المدرسة على شأن الحديث والمرجعيات النقليّة في التصنيف ، ولم نعثر على تحوّل مهم إلّا مع الصدوق ( 381 ه ) في بعض تصنيفاته ، لكنه كان تحوّلا محدودا جدا .
من هنا ، يصعب الحصول على وثائق مدوّنة تحدّد النظرية الشيعية من مسألة السنّة ، الأمر الذي يفرض تحليلا للمواقف والظواهر والممارسات أكثر من مراجعة نصوص ووثائق ومستندات ، وعندما قمنا بهذا التحليل وجدنا الفرضية الأقرب تقضي بأن الإماميّة لم تكن عاملة بأخبار الآحاد لا في العقديات ولا في العمليات ، رغم إقرارها بمبدإ حجيّة السنّة ، واعترافها بحجيّة اليقيني منها « 1 » .
وقد ازداد تأكّدنا هذا حينما عرضنا - في الفصل الثاني - للموقف الشيعي من
هامش
( 1 ) - راجع الفصل الأوّل من هذا الكتاب .