ظاهرة الانفلاش في نزعة التسامح
والمهم الذي يعنينا أكثر هنا في رصدنا لتأثيرات منهج التسامح هذا على نظرية السنّة في العقل الشيعي هو امتدادات قاعدة التسامح ، حيث سنرى كيف تركت هذه القاعدة أثرا كبيرا في تساهل العلماء في أعداد هائلة من الروايات ، حتى أن المتأخرين الذين رفضوا القاعدة ، ومن أبرزهم الخوئي ، كانوا يمرّون في دراساتهم الفقهية على المستحبات وأمثالها مرور الكرام ، لا يقفون لدرس أغلبها والاهتمام به ، بل إن العلامة شمس الدين ينقل عن أستاذه الخوئي قوله : لا يجب على الفقيه تبيين المستحبات والمكروهات والمباحات و . . . « 1 » .
من هنا ، سننظر كيف توسّعت هذه القاعدة من مدلولها البسيط الذي يبدو للوهلة الأولى من الروايات إلى مدلول أكبر بكثير ، ولا نريد هنا تأييد عملية التوسعة التي قام بها علماء الإمامية ولا رفضها ، بل نحاول رصدها ، فخبر هشام بن سالم كان يقول : إن أي رواية تأتيك تدلّك على ثواب حكمها كذا وكذا ، لكن لننظر الآن إلى مراحل التوسعة ، وسوف أذكرها على شكل نقاط « 2 » :
التوسعة الأولى : إذا فرضنا أن الرواية الضعيفة لم يأت فيها ذكر ثواب على عمل ، بل ورد فيها ذكر أصل العمل وأنه مستحب أو مرغوب ، فإن روايات الثواب قليلة نسبة إلى مجموع روايات المستحبات ، كما يلاحظ بمقارنة مجموع روايات المستحبات مع كتب ثواب الأعمال للصدوق وغيره ، فهل يكون حديث هشام بن سالم شاملا هنا ؟ هل يدعم ضعف الخبر ويقوّيه أم لا ؟
ما تستدعيه حركة الوقوف عند النص أنه لا يفترض الشمول ؛ لأن الحديث خاص بصورة الثواب ، إلا أن جمعا من العلماء اعتقدوا أن الإخبار عن الثواب قد يكون على نحو الصراحة وقد يكون على نحو الدلالة الالتزامية ، فإن من يقول لك : هذا الفعل عليه ثواب كذا وكذا يصارحك بذكر الثواب ، أمّا إذا قال لك : هذا الفعل مندوب ، فإنه يصارحك باستحبابه ، لكنه يخبرك بالدلالة الالتزامية عن وجود ثواب على فعله ، لأن كل مستحب يثاب الإنسان على القيام به ، وبهذا يتحقق ما تقوله الرواية « 3 » .
هامش
( 1 ) - محمد مهدي شمس الدين ، الاجتهاد والتجديد : 153 .
( 2 ) - يذهب النائيني إلى عدم أهمية هذه التوسعات التي يسمّونها : تنبيهات قاعدة التسامح ، في كتابه فوائد الأصول 3 : 416 ؛ ويعارضه في ذلك المحقق الأصفهاني في نهاية الدراية 2 : 542 ؛ ونحن من منطلق دراستنا هذه نجد الحق - كامل الحق - في هذه النقطة مع الأصفهاني .
( 3 ) - راجع في هذا ومواقف المؤيدين والمعارضين : البهائي ، الأربعون حديثا : 288 ؛ والنراقي ، عوائد الأيام :
793 ؛ ومحمد تقي الرازي ، هداية المسترشدين 3 : 469 ؛ ومحمد حسين الأصفهاني ، الفصول الغروية : -