المحور الثالث الفكر الشيعي ونزعة التساهل في نصوص السنّة غير الإلزامية
ثمة ظاهرة في تعامل المنهج الشيعي مع نصوص السنّة والروايات ، وهي ظاهرة تتساهل في التدقيق في أمر الروايات التي لا تحتوي على نصوص إلزامية ، فإذا جاءت رواية تتحدث عن مستحب لم يبلغ حدّ الوجوب والإلزام فإن فريقا من الإمامية لا يبذل جهدا في البحث عن سندها وتحديد فرص صدورها وعدمها ، أي أن تلك الشروط التي درسها علماء الإمامية في مباحث أخبار الآحاد يتنازلون عنها عندما يكون مضمون الخبر أمرا مستحبا « 1 » ، وعلى أحد الأقوال أمرا مكروها أيضا ، وحيث كانت المستحبات والمكروهات سننا لا إلزامات ، أطلق على هذا المنهج اسم : قاعدة التسامح في أدلّة السنن ، وحيث جاء في الروايات التي اعتبرت مستندا للقاعدة عبارة « من بلغه » ، سميت القاعدة بقاعدة « من بلغ » أو « من بلغه » وسميت رواياتها بأخبار « من بلغ » .
وثمّة نصوص عديدة في الوسط الشيعي تؤكد أن علماء الإمامية ذهبوا في أكثريتهم إلى هذا الرأي ، أي التسامح ؛ فقد ذكر الشهيد الأول ( 786 ه ) في كتاب « الذكرى » عند بحثه أحكام الميت ما نصه : « أحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم » « 2 » ، كما نص السبزواري ( 1090 ه ) في « ذخيرة المعاد » على أن « أدلة السنن مما يتسامح فيه بينهم » « 3 » ، وقد أكد الخوانساري ( 1099 ه ) في « مشارق الشموس » على أنه « اشتهر بين العلماء كفاية الخبر الضعيف في الاستحباب » « 4 » ، أما المجلسي صاحب البحار فيقول : إن الروايات هنا سببت أن « ترى أصحابنا يستدلون بالأخبار الضعيفة والمجهولة عن السنن والآداب وإثبات الكراهة والاستحباب » « 5 » ، والأمر نفسه يذكره البهائي أيضا « 6 » ، معلنا
هامش
( 1 ) - ولهذا نجدهم يبحثون عن ما يسمح بتضييق دائرة شرائط الأخذ بالروايات مثل شرط العدالة أو الوثاقة ؛ وانظر تعريف القاعدة في : حسن الصدر ، نهاية الدراية : 285 ؛ وصنقور علي ، المعجم الأصولي :
401 - 402 .
( 2 ) - الشهيد الأول ، ذكرى الشيعة 2 : 34 .
( 3 ) - السبزواري ، ذخيرة المعاد : 4 .
( 4 ) - جمال الخوانساري ، مشارق الشموس : 34 .
( 5 ) - المجلسي ، بحار الأنوار 2 : 256 .
( 6 ) - البهائي ، الأربعون حديثا : 389 .