ويمارس المحقق الحلّي الدور نفسه في كتاب « المعتبر » في بحث صلاة الجماعة ، حيث يستعرض فيه خبرا لابن الحويرث رواه مالك ، ويقضي هذا الخبر بلزوم تقديم الأكبر سنا لإمامة الجماعة ، وهو ما لا يقبله الحلّي مع وجود مفاضلة في « العلم بالسنّة » بين الإمامية ، ولكن يجيب عن ذلك يقول : « لا حجة فيه ( أي خبر ابن الحويرث ) ، لأنه حكم في واقعة ، فلعلّه عليه السّلام علم فيهما التساوي إلا في السنّ » « 1 » .
ومؤدى هذا الكلام ونتيجته أن المحقق الحلّي استبعد رواية ، بجعله لها منحصرة في واقعة معينة ، مفترضا أن الجواب الوارد فيها ، كان مبنيا على معلومات تحيط بالواقعة عرفها المعصوم عليه السّلام ، ولم نعرفها نحن ، إذا ، فلا يمكن تعميم الحكم ، بل نبقيه في ظرفه وخصوصيته .
وبعد المحقق الحلّي ، لاحظنا استخداما محدودا أيضا للتعبير نفسه ، ففي كشف الرموز للمحقق الآبي ، يستعرض رواية في باب الديات ثم يعلّق عليها بالقول : « هي حكاية حال ، فالأولى أن لا نتعدى » « 2 » ، وفي بحث الإرشاد من المهذب البارع ، يعلّق ابن فهد الحلّي ( 841 ه ) على رواية بالقول : إنها حكم في واقعة ، فتحتمل الاختصاص وعدم التعدّي « 3 » .
ويبرّر البحراني في الحدائق الناضرة - لدى تعرّضه لرواية في مباحث الإجارة - إعراض مشهور الفقهاء عن هذه الرواية ، بأنها حكم في واقعة فلا يتعدّى عنها « 4 » ، وكأنه يفترض أن هذه الخصوصية مما تستدعي عند مشهور الشيعة الإعراض عن الرواية .
وفي نصّ مشير للمحقق الكركي ( 940 ه ) ، يتحدّث في « جامع المقاصد » عن إحدى الروايات في باب الصلح ، فيسجل على نفسه اعتراضا على الأخذ بها ، انطلاقا من كونها حكاية حال ، لأنها حكم في واقعة ، لكنه يرفض هذا الاعتراض ويقول : إنها ليست كذلك ، مستشهدا - لرفع احتمال اختصاصها بواقعة - بعمل مشهور العلماء بمضمونها « 5 » ، مما يعني أن هناك توافقا عاما ضمنيا على أن العمل برواية معناه عدم اختصاصها بظرفها وخصوصياتها ، وأن الاختصاص المذكور ينتج تلقائيا عدم العمل بالرواية .
وهكذا نجد تواصلا لهذه المقولة ، إذ يتمسّك بها الشهيد الثاني ( 965 ه ) في إحدى روايات باب الإجارة « 6 » ، كما يستعرض في كتاب الحدود والتعزيرات من الروضة البهية
هامش
( 1 ) - الحلي ، المعتبر 2 : 440 .
( 2 ) - الآبي ، كشف الرموز 2 : 681 .
( 3 ) - ابن فهد الحلي ، المهذب البارع 4 : 421 ، وراجع المصدر نفسه 5 : 400 ، حيث ينقل كلاما عن الحلي .
( 4 ) - البحراني ، الحدائق الناضرة : 21 : 602 .
( 5 ) - الكركي ، جامع المقاصد 5 : 438 .
( 6 ) - الشهيد الثاني ، مسالك الأفهام 5 : 207 .