لم تتوفر مثل هذه النصوص كان من المنطقي الرجوع إلى الدليل الذي يفيد الظن ما دام رواية عن أحد المعصومين عليهم السّلام معتبرة « 1 » .
وهذه النظرية ربما كانت نتاجا طبيعيا للاهتمام الكبير الذي بذلته مدرسة التفكيك بأمر الروايات الكلامية ، فقد انتقدت هذه المدرسة تجاهل الروايات الكلامية « 2 » ، ودعت إلى الاجتهاد الكلامي ، سيما منه القائم على الكتاب والسنّة ، ولما لم تكن هذه المدرسة أخبارية بحتة ، وإن اتهمت بذلك ، كان من الطبيعي أن تقبل - اضطرارا - بالآحاد حيث يفقد الدليل اليقيني أو الاطمئناني .
وممّن تحدّث عن هذا التفصيل الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ، حيث ذهب إلى عدم حجية الظن وأخبار الآحاد عند انفتاح باب العلم والعلمي ، وأخذ بالحجية مع الانسداد معتبرا ذلك حكم العقل « 3 » .
2 - نظرية السيد أبي القاسم الخوئي
رغم إطلاقه القول بعدم حجية الآحاد في أصول الدين « 4 » ، إلا أن السيد أبا القاسم الخوئي ( 1413 ه ) يقدّم تصوّرا تفصيليا أكثر وضوحا ودقة وشمولية ، إذ لا تقتصر معالجته على دائرة القضية العقائدية ، بل تتعدّاها إلى مطلق القضايا غير الفقهية العملية ، ففي ملحقات بحثه حول دليل الانسداد ، يتحدّث الخوئي عن مجالين لحجية الظن في غير الفقه هما :
المجال الأول : وهو المجال العقائدي ، ويرى القضايا العقدية على نوعين :
النوع الأول : القضايا التي يجب معرفتها عقلا ، كمعرفة الباري ، أو شرعا كالمعاد الجسماني ، وفي هذا النوع لا يكفي الظن أبدا ، ذلك أن المطلوب في هذه القضايا تحصيل العلم ، والظن - مهما كان - لا يغدو علما ، وعلى تقدير عجز الإنسان عن الوصول إلى العلم لا يكلّف به ؛ لاستحالة التكليف بغير المقدور .
النوع الثاني : القضايا التي يجب فيها التسليم وعقد القلب عليها « 5 » ، كتفاصيل
هامش
( 1 ) - جعفر سيدان ، حوار حول المعاد الصدرائي ، مجلّة نصوص معاصرة 2 : 133 - 134 .
( 2 ) - راجع كلام أحد المتعاطفين مع هذه المدرسة - وهو الشيخ رضا استادي - في مجلة نصوص معاصرة 3 ، مقال المدرسة التفكيكية ، وقفات وتأملات .
( 3 ) - ناصر مكارم الشيرازي ، أنوار الأصول 2 : 490 .
( 4 ) - الخوئي ، مصباح الأصول 2 : 189 .
( 5 ) - يفرّق الإمام محسن الحكيم - تبعا للخراساني - بين العلم والاعتقاد وعقد القلب والتسليم ، ويستدلّ على ذلك بقوله تعالى :وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا . . ؛حيث لا معنى للجحود مع -