تكوّن نظريّة السنّة بعد الغيبة مدرسة اليقين
تمهيد
سنسعى في هذا الفصل لممارسة درس تاريخي لنظريّة السنّة في المدرسة الفكريّة القديمة عند الشيعة الإماميّة ، ونقصد بالمدرسة القديمة الفترة الممتدّة زمن بداية الغيبة الصغرى إلى أواسط القرن السابع الهجري ، أي إلى الفترة التي تشكّلت فيها بدايات نهوض جديد على مستوى العلوم الإسلامية النقلية عند الشيعة بعد قرنين تقريبا من وفاة الشيخ الطوسي ( 460 ه ) ، والسبب في تحديد هذه الفترة وعزلها في فصل خاص ، معرفة الاتجاهات الأصولية وغيرها عند الشيعة ما بعد تشكل علمي الفقه والأصول بصورتهما المتطوّرة وبداية تفعيل الآليات الاجتهادية التي كانت قد بلغت نضوجا ملحوظا مع الطوسي ، ولأن فترة العلامة الحلي ( 726 ه ) وما تلاها أخذت طابعا مستقرّا على صعيد أسس الموضوع الذي نعالجه ، علاوة على الدور العلمي الذي يتركه موقف الحقبة الممتدة من القرن السابع وما قبل ، وفقا لنظريات عدّة من أمثال الإجماع ، والشهرة ، والسيرة المتشرّعية و . . .
هذا كلّه ، يجعل من دراسة هذه الحقبة ضرورة تفوق دراسة الحقبات اللاحقة ، مع الاعتقاد الكامل بأن دراسة تطوّر هذه النظرية بكل امتداداتها حتى العصر الراهن - كغيرها من الموضوعات الأصولية والحديثيّة - هو في نفسه مطلب هام وأساسي ، كما سنحاوله في هذا الكتاب .
وسوف نحاول - فعلا - أن نركّز جهدنا على أصول نظرية السنّة وحجية خبر الواحد مع غضّ النظر عن الامتدادات والفروع الراجعة لها ، مما يدخل في أبواب التعارض والترجيح والتسامح في أدلة السنن و . . اللهم إلا عند الضرورة ، كما أشرنا إلى ذلك سابقا ؛ موكلين بحثه إلى فصول لاحقة .
وفي إطار منهجة البحث ، سوف نسعى لاستعراض وجهات نظر العلماء الذين أبدوا آراءهم ، وعندما ننتهي من السيد المرتضى ، نتجاوز الشيخ الطوسي لإكمال مواقف الفقهاء الذين أتوا بعده حتى أواسط القرن السابع ، نظرا لاقتراب نظريّتهم أو تطابقها مع نظرية المرتضى ، وبعد تكميل استعراض نظرية الطوسي ، نعرّج على ذكر محاولات التوفيق ثم