هذا الاستبعاد من أنّه من غير المنطقي افتراض أنّه كانت تحصل لهم من جميع الأحاديث التي كانوا يعملون بها حالة يقين برهاني يستبطن اليقين بالشيء مع استحالة خلافه ، فإنّ هذا إذا تمّ في التواتر فلا يتمّ في جميع الروايات التي كانت متوافرة آنذاك ، إذا فيجب القول بأنّه كان يحصل لهم من تلك النصوص اليقين بالمعنى الأعم من اليقين البرهاني واليقين العادي ممّا يسمّى بالظنّ الاطمئناني .
ولكي تنجلي صورة هذا الاستبعاد نلاحظ ما ذكره بعض الأخباريين من أنّ المراد باليقين الذي كان يعمل به معاصر وحقبة الحضور هو اليقين العادي « 1 » ، والمقصود باليقين العادي الاطمئنان الذي لا يعتنى معه باحتمال الخلاف رغم وجوده ، فإذا كان الأخباريّون الذين يدّعون قطعية الروايات يحاولون تفسير اليقين بذلك ، فكيف يمكن تجاوزهم - على تشدّدهم في هذا الأمر - وزعم أن الشيعة زمن الحضور كانت لا تعمل بهذا اليقين بل بخصوص اليقين بمعناه البرهاني ؟ !
والذي يبدو لنا أنّ هذه الملاحظة التي أثارها الشيخ الأنصاري ( 1281 ه ) وجماعة « 2 » في تحليله موقف السيّد المرتضى على ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى ، جديرة بالتأمّل ، وفي الحقيقة ليس ثمّة ما يبعّد هذا الاحتمال ، إذا تخطينا مثل ادّعاء السيد المرتضى الآتي لاحقا ، والسبب هو أنّ هذا الاحتمال يمكن استبعاده لو كانت بأيدينا نصوص تعود لتلك الحقبة تصرّح - فيما نفهمه منها هنا - بعدم العمل إلّا باليقين القاطع الجازم الذي لا احتمال للخلاف فيه ، كما قد يقال مع السيد المرتضى وابن إدريس وفق ما سيوافينا بحثه ، لكن حيث لا نملك نصوصا وأردنا غضّ الطرف عن حال الحقبة الممتدة من المفيد ( 413 ه ) وحتى العلامة ( 726 ه ) إذ قد ترجّح طرفا على طرف ، لزمنا الإبقاء على هذا الاحتمال ، فهو قريب جدا ، سيّما على ما أشار إليه بعض الأخباريين - كما سيأتي في محلّه - من أنّ العلم في اللغة العربيّة يطلق على اليقين الجازم وعلى الاطمئنان وما يسكن النفس على نحو الحقيقة ، فإذا صحّت هذه المقولة ، فإنّ المترقّب حينئذ - ما لم يأت دليل على العكس - أن يكون التعاطي العفوي لمتشرّعة عصر الحضور قائما على هذا المدلول اللغوي ، لا لأنّ اللغة هي معيار هنا ، بل لأنّ ثبوت تحمّل اللغة لهذا المفهوم على نحو الحقيقة شاهد على أنّ العقل العربي لم يكن على تماس حصري مع مفهوم اليقين البرهاني ، مما يدلّل على أنّ العقل الجمعي يقوم اليقين عنده على مفهوم أوسع من المفهوم الأرسطي له ، ولهذا نتج عن هذا الوعي الجمعي مدلول لغوي على نحو الحقيقة .
هامش
( 1 ) - الحسين بن شهاب الدين الكركي ، هداية الأبرار إلى طريق الأئمة الأطهار : 13 .
( 2 ) - فرائد الأصول 1 : 156 و 162 ؛ وراجع : المحقق العراقي في نهاية الأفكار 3 : القسم الأول : 136 - 137 .