الملفّ الثالث تأثير نظرية السنّة في العصر الحديث على تطوّر الدرس الرجالي والدرائي
شهد علم الرجال تطوّرا نقديا ملحوظا في القرون الأخيرة ، لكنه بقي مغيّبا إلى حدّ كبير - بعد عصر التشدّد أيام الأردبيلي ( 993 ه ) وأنصار مدرسته - عن ساحات الممارسة الميدانية ، وإذا أخذنا على سبيل المثال الشيخ مرتضى الأنصاري ( 1281 ه ) وراجعنا مصنفاته الفقهية مثل المكاسب ، والطهارة ، والقضاء و . . لتأكّد لدينا أن السند لم يكن له حضور فاعل في العقل الاجتهادي ، هذا فضلا عن المصنفات الأخلاقية والفلسفية والكلامية و . . ، وهذا بعينه ما نجده أيضا عند رجالات كبار في الطائفة الإمامية مثل الخراساني ، والأصفهاني ، والنائيني ، والخميني ، والخوانساري ، والشيرازي الكبير ، والحائري و . . .
لسنا ندّعي غيابا كاملا للموضوع السندي ، فهناك مساهمات عديدة داخل مصنفات هذه الحقبة على هذا الصعيد ، كما كان الحال فيما سبق هذه الفترة ، لكن المقصود أن الفترة الفاصلة ما بين وفاة الوحيد البهبهاني ( 1205 ه ) وأواسط القرن الرابع عشر الهجري تقريبا ، شهدت ضمورا واضحا في الاتكاء على المعايير السندية ، فلا نجد - على نطاق واسع - اجتهادات تعتمد بالدرجة الأولى على السند ومعايير علم الرجال ، كان ذكر هذه الموضوعات - حسبما تتبعنا قدر جهدنا - عابرا ، فأنت لا تجد في كتاب كجواهر الكلام الذي تتجاوز صفحاته الأحد عشر ألف صفحة إلا أعدادا بسيطة - نسبيا - من الوقفات السندية ، ولو حصل فغالبا ما لا تكون هذه الوقفات أساسا للخروج بنتيجة نهائية ، وربما تكون هذه الوقفات أكثر بعض الشيء مع السيد علي الطباطبائي ( 1231 ه ) صاحب كتاب « رياض المسائل » ، لكن على أيّ حال هذا واقع ملحوظ .
ليس هذا فحسب ، بل حتى التأليفات الرجالية الشيعية هذه الفترة اتسمت بحضور ضعيف في الوسط العلمي ، فرغم وجود رجاليين كبار كالكلباسي والملا علي كني والبروجردي صاحب طرائف المقال وغيرهم إلا أن الاتجاه العام في الأوساط العلمية الشيعية لم يكن يهتمّ كثيرا بعلم الرجال ، فكان طلاب الحوزة العلمية يبلغون مرحلة الخارج - كما يقول أستاذنا الشيخ محمد باقر الإيرواني « 1 » - دون أن تكون لهم معلومات
هامش
( 1 ) - الإيرواني ، دروس تمهيدية في القواعد الرجالية : 5 ، 8 - 9 ؛ حيث يحكي تجربته في حوزة النجف الأشرف .