ويسيرون عليه طبقا لعقلائيتهم فقط نسميه بالسيرة العقلائية .
فالعقلاء مثلا باختلاف أزمنتهم وأماكنهم وأعرافهم يعملون بما يفهمونه من كلام بعضهم ويعتمدون عليه ويحتجون به في المحاكم و . . . لا لديانة منهم أو وطنية أو قبلية أو . . . بل لمحض فطرتهم وعقلائيتهم .
أما كيف كانت السيرة العقلائية دليلا في الاجتهاد ؟
والجواب : إن تطابق العقلاء - من حيث هم عقلاء - واتفاقهم على سيرة ما وعرف معين ، ليس بحجة ولا يمثل في الاجتهاد شيئا ، إلا أننا ننظر في النصوص الدينية فإن ورد فيها ما يردع أو ينهى عن هذه السيرة أو تلك أخذنا به ، ورفضنا السيرة ، أمّا إذا لم يكن هناك ردع فإنا نستكشف من عدم ردع المولى عن سيرة عامة للناس عبر العصور أنه يرضاها ويمضيها ويوافق عليها ، وإلا لردع وبيّن ، وهو المكلّف ببيان الأحكام وشرح دين اللّه .
إذن ، فحجية السيرة العقلائية نابغة من إمضاء الشارع لها لا من ذاتها ، ولهذا يقولون : إن حجية السيرة العقلائية حجية إمضائية .
وثمّة دراسات موسّعة وهامة هنا ، سيما تلك التي تفرّق بين السيرة والارتكاز ، فقد لا يكون هناك فعل ميداني عقلائي ، بل ارتكاز ووعي ، كما أن هناك بحثا في كيف يمضي المولى السير العقلائية الحادثة بعد زمن النص كعصرنا الحاضر ؟ وثمة بحث آخر حول كفاية عدم العلم بالردع الشرعي أو ضرورة تحصيل العلم بعدم الردع لتكوين حجية السيرة ، إلى غيرها من البحوث ، مثل عدم الإطلاق في دليل السيرة وكونه لبيا .
أما السيرة المتشرعية فيختلف حالها ، إذ تعني عرفا أو سلوكا عاما يقوم به المتشرّعة والمتدينون عصر المعصوم عليه السّلام ، ثم لا نجد ما ينهى عن هذا الفعل ، إن هذه سيرة دينية ، وربما كانت دينية خاصة ، كما لو كانت سيرة للشيعة فحسب ، وهذا هو أبرز فارق بين السيرتين العقلائية والمتشرّعية ، فمنطلق الأولى العقلاء بما هم عقلاء ، فيما منطلق الثانية المؤمنون بما هم متدينون .
ومن هذا الفارق بالذات ينشأ الفارق في تحصيل السيرتين للحجية ، فالسيرة العقلائية - كما أشرنا - حجيتها إمضائية ، أما السيرة المتشرعية فليست حجيتها من باب الإمضاء بل من باب الكشف ، ويقصد الأصوليون بذلك أن جري أنصار دين ما على سيرة دينية يكشف منطقيا عن انطلاق هذه السيرة من دوافع دينية ، ومن ثم من صاحب الشريعة نفسه ، فأنت إذا لاحظت سلوكا عاما يسير عليه أنصار دين ما تتأكد أنه صادر من المشرّع .
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي — صفحة 421
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٢١