لكن وجود ظواهر اجتهادية ومساهمات تأويلية في قراءة النص الديني لا يلغي مجموعة حقائق من الضروري وعيها بدقّة لفهم طبيعة المواقف النظريّة في تلك الحقبة الزمنية ، والتي منها الموقف النظري من الأخبار والأحاديث بأنواعها .
الفقه المنصوص أو الفقه الروائي
هناك كلام بين دارسي تاريخ الفقه الشيعي يدور حول اعتبار ابن الجنيد الإسكافي ( ق 4 ه ) والحسن بن أبي عقيل العماني ( ق 4 ه ) أوّل من أسس المناهج الاجتهادية العقليّة ، وبذرا بذور الفقه الاستدلالي والتفريعي في الوسط الشيعي « 1 » .
لكن - مع ذلك - تكاد القراءات التاريخيّة للفقه الشيعي تجمع على أنّ كتاب « المبسوط في فقه الإماميّة » للشيخ أبي جعفر الطوسي ( 460 ه ) هو أقدم كتاب فقهيّ شيعي وصلنا يعتمد المنهج الاستدلاليّ والتفريعيّ في تعاطيه مع المادّة الفقهيّة « 2 » ، فالكتب الفقهيّة التي ألّفت قبل الطوسي ووصلتنا كانت كتبا روائية ، بمعنى أنّ نص الفتوى أو الموقف الفقهي لهذا الفقيه أو ذاك كان مطابقا حرفيا أو شبه مطابق لنصّ الرواية التي كان الفقيه يستند إليها في اجتهاده « 3 » ، فهذا كتاب « المقنع » للشيخ الصدوق ( 381 ه ) أو كتاب الهداية له أيضا ، حصيلة جملة الروايات دون زيادة أو تفريع ، وكأنه يعيد تقرير النصوص الروائية ، على شكل كتاب فقهيّ ، ومن هنا عدّ بعضهم مثل « المقنع » و « الهداية » و . . روايات وأحاديث « 4 » .
وحتّى الشيخ الطوسي الذي تثبت الوثائق التاريخيّة أنّه كتب كتاب « المبسوط » في مدينة النجف بعد هجرته إليها عقب الأحداث الدامية التي وقعت في بغداد بين السنّة والشيعة عام ( 448 ه ) ، وأنّ هذا الكتاب كان آخر ما ألّفه في علم الفقه « 5 » . . . حتى الطوسي ألّف كتاب « النهاية » على الطريقة القديمة ، وثمّة نص دالّ للطوسي نفسه حول
هامش
( 1 ) - راجع : السيّد محمد مهدي بحر العلوم ، الفوائد الرجالية 2 : 220 ؛ وعبد الرزاق المقرّم ، مقدّمة تنقيح الخوئي ، الاجتهاد والتقليد : ( ف ) ؛ وأبو القاسم كرجي ، تاريخ فقه وفقها : 317 ؛ وحسين مدرّسي طباطبائي ، زمين در فقه إسلامي 1 : 48 .
( 2 ) - انظر : موسوعة الفقه الإسلامي طبقا لمذهب أهل البيت عليهم السّلام 1 : 54 - 55 ، ومجلّة فقه أهل البيت عليهم السّلام ، العدد 13 : 181 - 183 في مقال للسيد منذر الحكيم تحت عنوان « مراحل تطوّر الاجتهاد في الفقه الإمامي ، القسم الأوّل » ؛ ومحمد إبراهيم الجناتي ، أدوار فقه : 250 - 254 .
( 3 ) - السيد حسين البروجردي ، البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر : 8 - 10 .
( 4 ) - راجع : محمد باقر المجلسي ، بحار الأنوار 10 : 405 ، ومحمد حسن النجفي ، جواهر الكلام 6 : 138 ، والشيخ مسلم الداوري ، أصول علم الرجال : 190 - 191 ، واعتبر ارسالها غير ضارّ بحجيّتها .
( 5 ) - محمد باقر الصدر ، المعالم الجديدة للأصول : 83 .