المحور الرابع معضلة الوسائط في الأخبار ودور العقل الفلسفي في إنتاجها
من الطبيعي أن تشكّل ظاهرة الوسائط المتعدّدة في الحديث الشريف معضلة ، ذلك أنه لو أخبرك شخص بحدث ما رآه بعينه ، فإن درجة الاحتمال والصدق ستكون عالية ، سيما عندما يكون المخبر معروفا بالصدق والتدقيق والضبط ، أما عندما ينقل لك المخبر عن شخص آخر هو الذي رأى الحدث ، فإن فرض سلامة الخبر ستكون أقل تلقائيا ، وبحساب الاحتمالات الرياضي أيضا ، سوف يكون من المحتمل وجود أحد خطأين ، إما في الراوي الأول أو الثاني ، وهكذا عندما يتعدد الناقلون تعددا طوليا ، بمعنى أن ينقل الواحد منهم عن الآخر ، فكلّما زادت السلسلة تضاءل حجم الاطمئنان أو الظن بالخبر ، وهذا شيء طبيعي يلمسه الإنسان بفطرته وسليقته اليومية .
كان من المتوقع أن يأخذ هذا الموضوع حيزا من النقاش بين علماء الإمامية ورجال الحديث منهم ، فبعض الأسانيد يتجاوز السبعة والثمانية وسائط ، فإذا أراد الطوسي مثلا أن يدوّن رواية عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم فإن الفاصل الزمني بين الوفاتين تقارب الأربعمائة والخمسين عاما ، فكم رجل يجب أن تحتويه السلسلة ؟ وما هو مدى الوثوق بالجميع في عدم الخطأ أو حدوث خلل ما ولو كان غير متعمّد ؟
ربما تظهر مقولة ترى أن حجية خبر الواحد إذا كانت منطلقة من تباني العقلاء على العمل بالآحاد ، فقد لا تشمل حالة من هذا النوع ، أي حالة تعدد كبير في الوسائط مئات السنين ، هذا شيء متوقع قوله ومحتمل حتى لو كان خطأ عند بعضنا .
لكن المفاجأة التي قدّمها لنا أصول الفقه الإمامي أنه لم يعر هذا الموضوع أية أهمية على الإطلاق ، اللهم إلا نادرا ، ولم يدرسه في حساباته العقلائية ، ولا في حساباته الرياضية ، كانت الأمور واضحة ومحسومة تقريبا لصالح حجية الخبر سواء كان مع واسطة أو بدونها ، وربما يكون السبب كامنا في أن التشكيك في موضوع الوسائط على هذا النحو ربما يفضي - عمليا - إلى إسقاط حجية الآحاد ، إذ من أين يتوفر لنا خبر بواسطة واحدة أو واسطتين مثلا ؟ ! نعم ، وجدنا ما يتصل بهذا الموضوع في مواضع عدّة ، كما في هامش